الرئيسية » عربي ودولي » بعد فشل الحل العسكري.. هل تنجح المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين بسحب فتيل الحرب؟

بعد فشل الحل العسكري.. هل تنجح المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين بسحب فتيل الحرب؟

كتب محرر الشؤون العربية:
لم تنتهِ الحرب على غزة بالتأكيد، وما انتهى جولة قتال، قد لا تستطيع المفاوضات إنهاؤها، وفي هذه الحالة، قد تكون الحرب مرشحة لأن تستأنف من جديد، فماذا يقول الإسرائيليون عن حرب كشفت لهم عورات القرار السياسي، كما كشفت لهم تقصير المستوى العسكري، وعدم جرأته عن توضيح مصاعب القتال والحرب البرية، التي لم يجرؤ المستوى السياسي على اتخاذ قرار في شأنها، فبقيت معلقة في انتظار وسيط يخلص الائتلاف الحكومي من ورطة حرب لم يكن الاستعداد لها كافيا، بل لم يجر في الحرب سوى القليل من مخططاتها، وما جرى كان ارتجالا فشل حتى في تحصيل علامة مقبول، فأي انتصار أو صورته كانت من نصيب الائتلاف الحكومي الإسرائيلي؟

«بدلا من «كيّ وعي» الفلسطينيين، فإن إسرائيل هي التي بدت ضعيفة، بسبب قيادتها المترهلة، وائتلافها الذي جعل حكومتها في حالة من الشلل السياسي. ومن يكرر مصطلح «كيّ الوعي» عليه أن يفحص بصدق كيف تم «كي وعي» إسرائيليين كثيرين اضطروا إلى إخلاء بلدات بأكملها في الجنوب»..

بهذه الكلمات، افتتح رئيس الشاباك الإسرائيلي السابق، يوفال ديسكين، مقالاً له نشر في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، يوم الخميس الماضي، تناول فيها ما أسماه خيبة الأمل الإسرائيلية من عدم قدرة «أقوى جيش في الشرق الأوسط والمسلح بأفضل الأسلحة» من هزيمة «منظمة في بقعة صغيرة» خلال أكثر من 50 يوما من القتال.

واعتبر الكاتب الإسرائيلي أمير أورن في صحيفة «هآرتس» في تعليق له، أن ما أفضت إليه الحرب الأخيرة، أن عملية الرد الإسرائيلي على المقاومة الفلسطينية، أضحت تعمل بالمقلوب، إذ إن إسرائيل ارتدعت عن احتلال قطاع غزة، وأن الحرب الأخيرة هي دليل خامس على ارتداع إسرائيل، التي وصفها بأنها إمبراطورية أنهت توسعها، وتواجه الآن آلام التقلص، كباقي الإمبراطوريات السابقة، التي لم تكن حذرة من التوسع الزائد.

سقوط الإمبراطورية الإسبرطية الإسرائيلية في امتحان الحرب الأخيرة، رافقه ويرافقه اليوم سقوط العقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي تأسست على توافر المعلومات الاستخبارية العسكرية، والردع، ونقل المعركة إلى أرض العدو، والحسم السريع.. وكل هذا لم يتحقق منه شيء أخيرا، الأمر الذي قد يدفع القيادة الإسرائيلية إلى البحث عن تسوية سياسية، تضمن لإسرائيل الهدوء على جبهة غزة، بعدما فشل الحل العسكري، وعلى الأرجح أن يكون الحل السياسي أو التسوية من خلال السلطة الفلسطينية وبرعاية مصرية ودولية.

غير ذلك، سيكون من الصعب على إسرائيل رفع الحصار عن قطاع غزة بشكل تام، وفتح معابر حرة بينها وبين العالم، سواء كانت برية أو جوية أو بحرية، لأن ذلك سيعني تحول فصائل المقاومة خلال سنوات إلى قوة عسكرية لا يُستهان بها، تشكل تهديداً جدياً للجيش الإسرائيلي.

خطاب السخرية والتندر

لقد خرج رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، يوم وقف إطلاق النار، بخطاب ديماغوجي، يدعي «انتصاراً عسكرياً وسياسياً» لا يقنع الإسرائيليين، وكان طوال الساعات الأخيرة مثار انتقادات وصلت إلى حد السخرية والتندر، فما حصل في الخمسين يوما من أيام الحرب، لم تتقدم إسرائيل ولو خطوة واحدة، بقدر ما غرست خلالها دمارا هائلا في قطاع غزة، وأسقطت آلاف الشهداء والمصابين، في حين أحدثت صواريخ المقاومة وعملياتها إرباكا غير مسبوق لدى الإسرائيليين، وقد ذهب معظم المعلقين الإسرائيليين لوصف نتيجة الحرب على أنها «تعادل»، لكن التعادل بين أقوى جيش في المنطقة ومقاومة محدودة التسليح يعني الكثير، ويشير إلى أن الردع الذي سعت إسرائيل إلى تحقيقه انقلب عليها، وإلى أن قرار خروجها للحرب ليس كقرار خروجها منها.

تصريحات نتنياهو بأن الفلسطينيين لم يحققوا شيئاً، محاولة لامتصاص غضب سكان الجنوب، الذين لم يقتنعوا بالانتصار ولصد الانتقادات الحادة داخل ائتلافه وداخل حزبه، لكنها تشير أيضاً إلى أنه لا يعتزم الاستجابة لتلك المطالب، لأنه لن يسمح للمقاومة في غزة، بتطوير ترسانتها العسكرية أو تحديثها.

من داخل الحلبة السياسية، كانت وزيرة القضاء الإسرائيلي تسيبي ليفني الأولى التي أعربت عن اعتقادها بأنه يجب على إسرائيل العمل بوسائل سياسية لضمان الهدوء في الجنوب.

وقالت خلال مؤتمر للمنتدى الاقتصادي التجاري في ريشون لتسيون: «لا يمكن لإسرائيل أن تنعم ولو للحظة بالهدوء القائم من دون انتظار ماذا سيحصل في المستقبل»، محذرة من «جولة جديدة من العنف خلال أسابيع، ما لم تتخذ إجراءات سياسية»، ورأت أنه يجب في المرحلة الأولى العمل على إعادة زمام الحكم في قطاع غزة إلى الرئيس محمود عباس.

في هذه الأثناء، أظهر استطلاع للرأي أجري بين اليهود في إسرائيل، ونشرته صحيفة «معاريف» أن 61 في المائة يعتقدون بأن إسرائيل لم تنتصر في الحرب، أي أنها لم تحقق هدفها بإعادة الهدوء لفترة طويلة، وقال 58 في المائة إن وقف النار من دون تحديد فترة زمنية، كان خطأ أضاع «إنجازات الجيش الإسرائيلي» في الحرب، واعتبروا أنه كان ينبغي الاستمرار في «ضرب المقاومة»، من أجل تجريدها من قدراتها العسكرية.

بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار، بدأ يكتشف الجمهور الإسرائيلي أن الجيش بكل قوته، الجوية والبرية والبحرية، غير قادر على هزيمة المقاومة في قطاع غزة، كما تبين أن الحرب كان لها ثمن كبير، سواء من جهة القتلى في وسط الجنود الإسرائيليين أو الأضرار الاقتصادية والمادية، كما تكشف عجز رئيس الحكومة الإسرائيلية عن اتخاذ قرار واحد مهم خلال الحرب، وفي الوقت نفسه تكشف أن وزير الأمن موشي يعالون لم يكن له حضور خلال الحرب.

في كل الأحوال، ومهما تكن نتائج وتداعيات الحرب الأخيرة بين الإسرائيليين، فالحرب لم تنتهِ، وهي تنتظر نتائج مفاوضات القاهرة، التي ترك لها أمر تحقيق الهدفين الأبرز للفلسطينيين: المطار والميناء، وهما القضيتان الأعقد لتحقيق هدنة طويلة تتجاوز مسألة «هدوء مقابل هدوء» في مفاوضات قد تكون شاقة وعسيرة.. وعلى الرغم من ذلك يتوقع إسرائيليون كثر أن تكون أيام الهدوء محدودة، إن لم تبلور قيادتهم السياسية تسوية سياسية تلبي بعض الطموح الفلسطيني لغزة أولا، وللوضع الوطني الفلسطيني ثانياً وأخيراً.. فهل يجرؤ ائتلاف نتنياهو الحكومي على المضي نحو صفقة كهذه؟ أم تعاود الحرب توقيع بعض ما غفلت عنه جولة القتال الخمسينية؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *