الرئيسية » ثقافة » ضمن عروض «استديو الأربعاء»: «الطريق».. حين يصبح السجن جنة والحرية وهما كبيرا

ضمن عروض «استديو الأربعاء»: «الطريق».. حين يصبح السجن جنة والحرية وهما كبيرا

لقطة من الفيلم
لقطة من الفيلم

كتب محمد عبدالرحيم:
ضمن العروض الاسبوعية لـ «استديو الأربعاء»، وتحت رعاية نادي الكويت للسينما، عُرض أخيراً فيلم «الطريق/YOL»، وهو الفيلم الأشهر للمخرج التركي، الكردي الأصل يلماز غونيه (1937 – 1984)، والذي حصل به على سعفة مهرجان كان في عام 1982، مناصفة مع فيلم «المفقود» لغوستا غافراس.

لم تكن رحلة غونيه هينة، حتى يصل إلى ما وصل إليه، وخاصة أن فيلمه (الطريق) تم تنفيذه بالكامل ومُخرجه بالسجن، وهو أمر غريب، فالمخرج كان يكتب قصاصاته الورقية، وبها أدق التفاصيل عن الأماكن وحركة الممثلين والكاميرا، والعدسة المُستخدمة، وشكل الإضاءة، فإنجاز عمل مثل الطريق بهذه الطريقة يُعد معجزة في ذاته، تكاد تقارب حياة صاحبه.

غونيه ظل يقلق النظام التركي، ويعيش في سجونه – حوالي 11 عاما – حتى إن مجموع الأحكام الغيابية الصادرة بحقه تجاوزت المائة عام! هذا النظام، رغم اختلافه الشكلي مع مرور الزمن، فإنه لم يُفرج عن الفيلم إلا في عام 1999، وكانت تهمة «المثقف الأحمر» هي التي يوصف بها غونيه، والتي استعملها النظام الحاكم ضده، سواء عما يُنتجه من أعمال فنية لا يرضى عنها، أو بوصول الأمر إلى تلفيق تهمة القتل إليه، حتى يقضي عليه تماماً، إلا أن الرجل استطاع أن يُنجز فيلمه، وأن يُعرض في مهرجان «كان»، وأن يهرب من سجنه، ليُفاجأ رجال السلطة بظهوره لحظات قليلة أمام الجماهير في فرنسا، ليستقر بعدها في باريس، بعد محاولات فاشلة في اللجوء السياسي إلى سويسرا، حتى مات بباريس، ودفن في مقبرة «بيرلاشيز»، إلى جانب سارتر وبودلير.

ملصق الفيلم
ملصق الفيلم

الطريق

لم يكن السجن سوى أسوار مرتفعة، وشكل باهت لمخلوقات منسيّة، تحمل ملامحها أسى لا يُحتمل. الحكاية لم تكن عن هذه السجون، ولا عما يحدث داخلها، بل تمتد لتشمل حالة عامة من الإحساس بالسجن، لا تحده أسوار، حالة اجتماعية أكثر منها عقاباً فردياً، سُلطة حاكمة تقهر هؤلاء بشتى الطرق.. هناك بعض السجناء يُطلق سراحهم لمدة أسبوع، نظراً لحُكم الإفراج النهائي عنهم قريباً، وهذا الأسبوع يقع تحت مُسمى الإفراج الشرطي، حتى يعتادوا على الحياة خارج السجن، وكأنه اختبار للحياة في الخارج، وعن طريق هؤلاء يتم استعراض الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، والتي هي السبب الرئيس في العديد من الجرائم التي ارتكبوها، وما خروجهم إلا فرصة أخرى لارتكابهم المزيد من الجرائم، رغماً عنهم، فهناك المفارقة الدائمة بين فئة الأتراك والكرد، أساليب المعيشة، بداية من الملابس والطرق والبيوت، وليس انتهاء بنوع الطعام، حياة بالكامل تتمايز بها فئة عن أخرى.

الأعراف والتقاليد البالية

اختبار الحياة هذا يخوضه أحدهم يفقد أوراقه بمجرد قطعه مسافة بسيطة خارج السجن، فيتم إيقافه ويعود إلى السجن من جديد، وتتبخر فرصته في زيارة القرية ولقاء خطيبته، والآخر يعود إلى قريته الجبلية البعيدة، ليجد زوجته مُقيدة بالسلاسل، وقد حبسها أهلها، لخيانتها، والجميع في انتظار عودته، حتى يقرر مصيرها، وفق التقاليد، وثالث يحلم بالعودة إلى قريته الواقعة على الحدود التركية – السورية، وعند وصوله لا يجد سوى منازل القرية التي تطولها نيران الهجمات العسكرية التركية المستمرة، وأخير يجد الكثير من المشكلات في انتظاره، كالزج بأفراد عائلته في السجن، لارتكابهم جريمة سرقة، فتحمّله العائلة كل هذه المصائب، بحجة ابتعاده عنهم، وهو أمر غير منطقي، لكنه الابن الأكبر، وعليه وفق الأعراف والتقاليد أن يتحمَّل مسؤولية الجميع.

حلم العودة

هؤلاء في بداية خروجهم فكَّر معظمهم في الهرب، وعدم العودة مرّة أخرى، لكنهم لم يتحمَّلوا الحياة خارج أسوار السجن، وبعضهم تمنى اللحظة التي يعود فيها إلى هذه الأسوار، فالسجن مقارنة بالحياة خارجه هو الجنة، أما هؤلاء الذين يظنون أنفسهم أحراراً، فهم يعيشون في وهم كبير، مجتمع مريض وعاجز، يستخدم الفقراء لتحقيق سعادة فئة صغيرة، هي التي تحكم وتتحكم في الجميع، والأمر اللافت هنا أن غونيه، وإن جعل فئة الأكراد هي الفئة المهمشة والمغضوب عليها من الجميع، إلا أنه أشار لعوامل الاستعباد هذه، والتي تتماس مع حالة معظم الفئات المقهورة، والتي يتم استغلالها وتحميلها خطايا أي نظام سياسي، وخاصة حينما تستهويها حالة التخلف الاقتصادي والاجتماعي المتردية، والتي يجاهد النظام لجعلها أسوأ، حتى تتحمَّل هذه الفئة أوزاره عن طيب خاطر، وتشك في نفسها، بأن سلوكها هذا محكوم عليه من قبل وجودها بالحياة، بأن مصير أفرادها جميعاً هو السجن، سواء كان محاطاً بأسوار وحرّاس، أو تحده الجبال والأنهار، ليصبح دولة بالكامل.

يلماز غونيه

ممثل ومخرج وروائي، تمثل الأفكار الماركسية، وساعدته أوضاع الكرد المتردية في تركيا، بأن يعيش هذه الأفكار، من دون الاكتفاء بالتحدث عنها فقط.

كتب غونيه سيناريو لـ53 فيلماً، ومثل في 110 أفلام، وأخرج 17 فيلماً، ونشر 4 روايات، هي: الأعناق الملتوية، ماتوا ورؤوسهم محنية، صالبا، معادلات مع ثلاثة غرباء، كما أخرج العديد من الأفلام، أهمها: الإجازة، حتماً سيأتي الموت، القطيع، العدو، الحائط، الطريق.

أخيراً، لا نجد إلا ما قاله غونيه عنه نفسه «أنا لا أصنع سينما، بل أكتفي ببيان الحياة الواقعية، لابد من إظهار الاستغلال الذي تتعرض له طبقتي ولصالح مَن؟!».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *