الرئيسية » آخر الأخبار » في ظل عجز بالميزانية بلغ 1.1 مليار دولار في 2013: هل تنجح البحرين في تصحيح المسار الاقتصادي؟

في ظل عجز بالميزانية بلغ 1.1 مليار دولار في 2013: هل تنجح البحرين في تصحيح المسار الاقتصادي؟

الهزات الاقتصادية والتوترات حولت البحرين من اقتصاد واعد إلى اقتصاد يعاني تفاقم العجز
الهزات الاقتصادية والتوترات حولت البحرين من اقتصاد واعد إلى اقتصاد يعاني تفاقم العجز

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
لم يأتِ تأكيد الخبير الأميركي في الأعمال التجارية الصغيرة، ستيفن د.شتراوس «أن انتقال اقتصاد مملكة البحرين من اقتصاد نفطي إلى اقتصاد المعرفة، يشكل أرضا خصبة للفرص في مجال الأعمال الصغيرة» من فراغ، بل كان نابعا من حقائق وأرقام أعتمد عليها هذا الخبير العالمي في تقييمه للاقتصاد البحريني.

ويرى شتراوس، وهو محامٍ وكاتب ومؤلف عالمي يكتب عمود «كبار رجال الأعمال» في «USATODAY.com» وعمود «اسأل خبيرا»، الذي يعد واحدا من أكثر أعمدة الأعمال المتجددة في العالم، وألَّف 15 كتابا، «أن اقتصاد مملكة البحرين يُعد من اقتصادات الشرق الأوسط الجديدة نسبياً في مجال الأعمال الصغيرة والمتوسطة، مقارنة مع الاقتصاد الأميركي، ما يجعل التميز فيه أسهل نسبياً.. ولكن على الرغم من هذه الآراء الجيدة لهذا الخبير العالمي، فإن الاقتصاد البحريني يعاني منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، وازدادت هذه المعاناة مع الأحداث السياسية التي مرَّت بها البحرين في عام 2011.

فقد تعرَّض الاقتصاد البحريني إلى هزات عدة خلال هذه الفترة، وكان لهذه الهزات انعكاسات سلبية على كافة القطاعات الاقتصادية في البحرين، وخصوصا في ما يخص الاستثمار الأجنبي والأعمال والأنشطة التجارية الداخلية، وما زالت الكثير من الشركات الكبيرة تعاني، وأكبر دليل على هذه المعاناة ما حدث لشركة طيران البحرين من تدهور كبير.

وبسبب هذه الهزات تحول الاقتصاد البحريني من اقتصاد واعد ينمو بمعدلات جيدة خلال السنوات الأخيرة إلى اقتصاد يعاني تفاقم العجز، الذي ارتفع إلى معدلات عالية قياسا بالناتج المحلي الإجمالي للدولة، فقد تضاعف عجز الميزانية تقريباً ليبلغ 1.1 مليار دولار في عام 2013، مشكلا ما نسبته 3.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من نمو الإنفاق بأبطأ وتيرة له منذ عام 2009.
ومن المتوقع أن يرتفع العجز إلى ما يقارب 5 في المائة خلال العامين المقبلين، تماشياً مع استمرار المصروفات الجارية في الارتفاع وانخفاض العائدات النفطية، نتيجة تذبذب أسعار النفط.

ولا يختلف اثنان على أن الأحداث السياسية التي تشهدها البحرين كان لها تأثير كبير في هذا التراجع الاقتصادي، فتذبذب الحياة السياسية بالأساس يؤدي إلى تخويف المستثمرين، سواء من المواطنين أو الأجانب، من الاستثمار في المملكة، وقد تأثر أكثر من قطاع بهذا التوتر، وعلى رأسها القطاع السياحي، ولكن في الحقيقة لا يمكن إلقاء كل اللوم على الأحدث السياسية الأخيرة في معاناة الاقتصاد البحريني، فالبحرين تعاني منذ سنوات طويلة، مثل الكويت، من الاعتماد على مصدر وحيد للدخل، وهو النفط، حيث تعتمد الدولة بنسبة 88 في المائة على الصادرات النفطية، وظلت مساهمات القطاعات الأخرى في دخل الدولة ضعيفة، كما أن الكثير من الإصلاحات الاقتصادية تأخرت كثيرا، إلى أن جاءت التوترات السياسية التي زادت معاناة الاقتصاد البحريني.

التحدي الأصعب

إن التحدي الذي تواجهه مملكة البحرين بعد التوترات السياسية التي مرَّت بها خلال الأعوام الثلاثة الماضية، هو استقرار اقتصادها، وعودته إلى تحقيق معدلات نمو جيدة، فالبحرين، وعلى مدار السنوات الماضية، كسبت ثقة المستثمرين من داخل المملكة وخارجها، حتى أصبحت مركزاً مصرفياً رئيساً في الخليج العربي، ومركزاً دولياً للتمويل الإسلامي، كما وقعت على عدد من الاتفاقيات للتجارة الحرة مع دول العالم، ولكن في ظل التوترات السياسية التي شهدتها المملكة خلال الفترة الماضية تراجع الاقتصاد بشكل واضح، وهو ما يعني تدهور معيشة المواطن وتراجع دخله ومعاناته في الحصول على عمل. وهذا الأمر أكده الرئيس التنفيذي وعضو مجلس إدارة بنك البحرين الوطني عبدالرزاق القاسم في تصريحات صحافية سابقة، إذ يرى أن الاقتصاد البحريني في تدهور مستمر، محملاً «الحكومة مسؤولية تفاقم الأزمة وعدم وضع خطة للخروج منها». وقال إنه «لأول مرة يتجاوز سقف القروض الخارجية 200 مليون دولار (حوالي 100 مليون دينار بحريني)». واعتبر مراقبون هذا التصريح الذي يأتي من شخصية اقتصادية محسوبة على السلطة بمثابة اعتراف بعمق تأثير الأزمة السياسية على الاقتصاد البحريني.

معاناة مستمرة

وتعاني مملكة البحرين، حالها كحال الكويت، (مع اختلافات طفيفة) من عدم النجاح حتى الآن في تنويع مصادر الدخل، بعكس دول الخليج الأخرى، وما زالت البحرين تعتمد اعتمادا كليا على النفط، وهو ما يجعل الاقتصاد البحريني تحت رحمة تقلبات أسعار النفط في الأسواق العالمية، وهذا الأمر حذرت منه وكالة «ستاندرد آند بورز»، مؤكدة أن تراجع أسعار النفط والغاز سيؤثر في الاقتصاد البحريني، مبينة أن الاعتماد المتزايد لدول الخليج على عوائد النفط والغاز يمثل ثغرة كبيرة في اقتصاداتها وتصنيفاتها السيادية.

وأكدت الوكالة في تقرير لها صدر في يونيو الماضي، أن التركيز الكبير لدول الخليج العربية على قطاع الطاقة يعد خطراً ائتمانياً، بسبب شدة موسمية هذا القطاع وتقلبه، وقدر التقرير عوائد قطاعي النفط والغاز بنحو 46 في المائة من الناتج الإجمالي الاسمي لدول المجلس الست، وثلاثة أرباع صادراتها، مبينا أن البحرين وعمّان ستكونان الأكثر تأثراً خليجياً، في حال تراجع أسعار النفط والغاز.

تراجع النمو.. وتفاقم العجز

ومع التراجع الاقتصادي الذي تشده البحرين، توقع بنك الكويت الوطني في موجز اقتصادي عن الاقتصاد الكلي لمملكة البحرين، أن يحقق اقتصاد المملكة نمواً بنسبة 2.8 في المائة في عام 2014، متراجعا من نحو 4.5 في المائة حققها في عام 2013، مرجعا تسارع نمو الاقتصاد البحريني خلال عام 2013 إلى النمو القوي للقطاع النفطي لمقابلة تباطؤ نمو القطاع غير النفطي، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي الفعلي نموا بواقع 5.3 في المائة على أساس سنوي خلال 2013، لكن من المتوقع أن يتراجع النمو إلى 2.8 في المائة على أساس سنوي خلال عام 2014، نتيجة اعتدال نمو القطاع النفطي واستقرار نمو القطاع غير النفطي عند وتيرته المنخفضة نسبيا.

وأشار التقرير الصادر حديثا إلى تضاعف عجز الميزانية، إذ تضاعف تقريباً ليبلغ 1.1 مليار دولار في عام 2013، مشكلا ما نسبته 3.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من نمو الإنفاق بأبطأ وتيرة له منذ عام 2009، مبينا أنه من المتوقع أن يرتفع العجز إلى ما يقارب 5 في المائة خلال العامين المقبلين، تماشياً مع استمرار المصروفات الجارية في الارتفاع وانخفاض العائدات النفطية، نتيجة تراجع أسعار النفط، مشيرا إلى أن نمو الائتمان المصرفي لا يزال منخفضاً نسبياً، نتيجة تباطؤ نمو قروض قطاع الأعمال، الذي قابله نمو قوي في القروض الشخصية، ومن المتوقع أن يظل نشاط قطاع الأعمال بطيئاً على المدى المتوسط، نتيجة تراجع مستويات الثقة.

تزايد الإنفاق

أما على مستوى الإنفاق، فقد تراجع حجم الإنفاق على المشاريع الاستثمارية في ميزانية عامي 2013 و2014 بما يعادل 77 في المائة من حجم الإنفاق على المشاريع الاستثمارية في عام 2012، ما يشير إلى أن النمو الاقتصادي في البحرين سيكون مرتبطاً بشكل أساسي بالتقلبات في سعر النفط العالمي. أما بالنسبة للرؤية التنموية الاقتصادية البعيدة المدى 2030، التي تتم برعاية مجلس التنمية الاقتصادية، ومحاولة تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط، فيبدو أن هذه الرؤية قد خف بريقها، ولا يوجد في الوقت الحاضر في الساحة البحرينية حديث يذكر عن تنويع مصادر الدخل أو رؤية 2030، بل إن الاعتماد على عوائد النفط زاد بشكل ملحوظ، ولا تبدو الرؤية المستقبلية للاقتصاد البحريني مطمئنة على المستوى القصير، أو المتوسط أو الطويل، في ظل زيادة الإنفاق الاستهلاكي، والديون المترتبة، وعدم وجود أي بوادر للتنويع بعيداً عن النفط.

وستبقى البحرين محطّ أنظار بقية دول مجلس التعاون الخليجي، كونها أول دولة في المجلس بدأت تلوح فيها بوادر أزمة اقتصادية حقيقية، نظراً لتزايد الإنفاق فوق الإيرادات المحصلة من النفط الناضب، وتزامن هذه المشكلة الاقتصادية مع مشاكل أخرى، وقد لا يكون بعيداً وصف بعض المراقبين للبحرين بالدولة التي قد تكون في طريقها إلى الفشل من الناحية الاقتصادية، وذلك في حال استمر المنوال الاقتصادي على ما هو عليه الآن ولفترة ممتدة من الزمن.

الصناعات التحويلية.. آمال وطموحات

من القطاعات التي تتعلق بها الآمال في الانطلاق بالاقتصاد البحريني، هو قطاع الصناعات التحويلية، والذي كانت قد وصلت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 17 في المائة، ومن المستهدف لها أن تبلغ 25 في المائة، ويتم الوصول إلى هذا الهدف عبر تحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية، بتوفير البنية التحتية المساندة ومناخ الاستثمار الملائم، وقد أخذت البحرين بالفعل تتأهب للوصول إلى هذا الهدف، من خلال إنشاء مدينة معارض تنفذ على ثلاث مراحل، وإقامة منطقة صناعية اقتصادية توفر حاجة البحرين حتى عام 2050 بتكلفة 6 مليارات دينار على مساحة 95 كم مربع.

مساهمة السياحة في الناتج المحلي

من الممكن أن ترتفع مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي البحريني إلى نحو 20 في المائة، فيما لا تزيد في الوقت الحالي على 4 في المائة، برغم امتلاك البحرين العديد من المرافق السياحية والمنشآت الفندقية وعناصر الجذب السياحي في الأنشطة السياحية المختلفة، كالسياحة الرياضية وسياحة المؤتمرات والسياحة الثقافية والسياحة العلاجية والسياحة الترفيهية، وقد أمكن للجهود الترويجية التي بذلت على مدى العامين الماضيين تحسين الصورة الذهنية عن الأوضاع العامة في البحرين، ما ساعد في استعادة استضافة سباق الفورمولا 1 في 2012 و2013، واستضافة عدد من الفاعليات المهمة، وكان أبرزها منتدى وحفل توزيع جوائز الأمم المتحدة للخدمة العامة بحضور نحو 1000 مشارك من 94 دولة، والمؤتمر الخليجي الثاني للتميز في خدمة العملاء، ما يوضح قرب عودة سياحة المؤتمرات إلى سابق عهدها، غير أن انطلاق قطاع السياحة نحو نسبة الـ 20 في المائة المستهدفة، كإسهام في الناتج المحلي الإجمالي، يقتضي فضلاً عن هذه الجهود الترويجية وجود رؤية واستراتيجية واضحة لتنمية دور هذا القطاع، وبنيان مؤسسي خاص به، فالأهمية الكبرى للنشاط السياحي في تنويع مصادر الدخل وزيادة التشغيل لا يستقيم معها أن تتولى السياحة إدارة ملحقة بوزارة أخرى تتعدد اهتماماتها وأولوياتها.

إن الجهود الترويجية للسياحة البحرينية يتعيَّن أن تجد موارد معوضة أو بديلة كاستثمار العلاقات التجارية المتنامية مع دول آسيوية باتت مصدرة للسياحة بشكل كبير، كالصين واليابان وكوريا الجنوبية، مع الدخول العالية التي أصبح مواطنو هذه البلدان ينعمون بها، كما أن السياحة البحرينية في إطار التعاون الخليجي يمكنها أن تقدم من عناصر الجذب ما يدفع السائح الخليجي إلى أن يفضل البحرين على المقاصد السياحية الخارجية.

نمو القطاع النفطي

سجل القطاع النفطي في البحرين نموا قويا بلغ 15.3 في المائة على أساس سنوي خلال 2013، وذلك بعد تجاوز بعض الصعوبات الفنية التي واجهت حقل أبوصفا النفطي الذي يعد مصدراً أساسياً لإنتاج النفط.. ورغم أن هذا الارتفاع القوي في الإنتاج قد قابله تباطؤ في النمو غير النفطي، فإن معدل النمو العام حافظ على وتيرته لعام 2013، لكن وتيرة النمو النفطي يتوقع أن تشهد اعتدالاً ملحوظا هذا العام، لتصل إلى 2 في المائة على أساس سنوي، وليتراجع معها تباعاً معدل النمو العام.. ورغم أن تنفيذ مشاريع البنية التحتية من المفترض أن يساهم في تعزيز قوة القطاع، لكنه سيبقى متأثرا باستقرار نشاط القطاع الخاص.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *