الرئيسية » سعاد فهد المعجل » سعاد فهد المعجل : معالم قوة السلطة

سعاد فهد المعجل : معالم قوة السلطة

سعاد فهد المعجل
سعاد فهد المعجل

منذ الحربين العالميتين الأولى والثانية، والعلماء يحاولون، بشتى الطرق والتجارب والدراسات، تفسير ظاهرة العنف البشري.

اليوم، ونحن نرى ما يحدث في سوريا والعراق وغزة وليبيا، نقف حائرين أمام حجم وطبيعة المجازر، ودموية المشاهد القتالية، وتفنن بعض الجماعات في تعذيب وقتل ضحاياهم.

نتأمل كل هذا ويحضرنا السؤال البشري الدائم: كيف يمكن للإنسان أن يصل إلى هذه الدرجة من العنف واللامبالاة في تعذيب وتقطيع وفصل رؤوس الأعداء عن أجسادهم، وتحويلها إلى كرة قدم تتقاذفها أقدام المقاتلين في فترة استراحتهم؟!

من أشهر هذه التجارب تجربة ستانلي ميلغرام، التي أجراها، ليفسر أسباب العنف إبان الحكم النازي، والتي نشرت جريدة «الجريدة» تفاصيلها أخيراً.

التجربة تقوم على أساس طلب «ميلغرام» من متطوعين المشاركة في اختبار للذاكرة، فأسند لأحد المتطوعين مهمة المعلم وللآخر التلميذ.. في كل مرة كان التلميذ يقدم فيها جواباً خاطئاً في اختبار الذاكرة، يُطلب من المعلم صعقه بالكهرباء، ورفع قوة التيار الكهربائي تدريجياً مع كل خطأ يرتكبه، لكن المعلم لم يعلم إلا في وقت لاحق أن التلميذ والباحث كانا مجرد ممثلين، وأن الكهرباء لم تكن سوى لعبة.

نتيجة البحث، كما لخصها «ميلغرام» في ما بعد، تشير إلى أن الغالبية العظمى من المشاركين انزلوا بالتلميذ ما اعتقدوا بأنه صدمات كهربائية مؤلمة، أو حتى مميتة، لذلك استنتج أن معظمنا يرضى بتعذيب شخص آخر بأمر من سلطة أعلى، وهو ما يعكس واقعاً عميقاً حول الطبيعة البشرية.

تجربة أخرى مشابهة سُميت باختبار «سجن ستانفورد»، حيث قامت البحرية الأميركية بتمويل الدراسة، لفهم الصراعات في نظام السجن عندها، وقد تم إعداد قبو لهذه التجربة في جامعة ستانفورد، وتم تقسيم المجموعة عشوائيا إلى اثنتين متساويتين: مساجين وحراس، وتم تزويدهم بنظارات عاكسة، لتجنب التواصل البصري مع المساجين.

المثير في التجربة، أن السجانين تقمَّصوا الدور بشكل جعلهم يستمتعون بقمع وضرب السجناء، إلى درجة أن بعضهم تطوع من دون أجر لخدمة إضافية.

اختبار «ستانفورد» وتجربة «ميلغرام» تؤكدان حجم الطاعة والانصياع اللذين يبديهما الناس عندما يتعرَّضون لنظام أيديولوجي بدعم اجتماعي ومؤسساتي، وهي اختبارات توضح معالم قوة «السلطة»، وكيف أن «الواقع» هو الذي يُشكل سلوك الأفراد أكثر من الموروثات في شخصياتهم.

تجارب مخيفة تعكس طبيعة بشرية عنيفة كنا نتصور أنها شاذة، فإذا بها موصومة بختم الأنظمة والمؤسسات السياسية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *