الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : مدنس استثمار المقدس

ماجد الشيخ : مدنس استثمار المقدس

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

يوغل كثيرون ممن يحسبون على تيار «الإسلام السياسي» في استثمار ما يعتقدونه «مقدسهم الديني»، ذاك الذي تأولوه، فأصبح مما يحسبونه من الدين الإسلامي، وما هو كذلك، ذلك أن التأويلات العديدة، بتكراراتها وعنعناتها، باتت مع الزمن تأويلا اجتهاديا يدور حول النص ويمتح من هوامشه، وبالتالي، فهو يخضع للمزاج والتفسير والمصالح البشرية/ الإنسانية، ولم يعد بالإمكان رده إلى المجال المقدس (الإلهي).

تلك هي القاعدة، ليس منذ الآن، بل منذ القدم.. أما الاستثناء الراهن، الذي يتجلى في استثمار المقدس في الخطاب والسلوك السياسي، فلا يتعدَّى أن يكون محاولة تطهرية، بهدف الظهور بمظهر مزاود، وبغير ما يضمره العقل والفعل.

وهنا شتان ما بين التجارب والخبرات التاريخية لعرب ما بعد الجاهلية في السياسة والسلطة والحكم، وما قد يعده البعض منسوبا أو تابعا من توابع الإسلام.

لقد تخطى البعض كل الحدود، وهو يجتهد تأويليا لنسبة أهدافه السياسية ومفاهيمه النظرية والعملية إلى الدين، تأسيا بما فعل التوراتيون، وكما فعل ويفعل اليوم كثيرون في الفضاء الإسلامي، بالتماس المقدس للوصول إلى أهداف غير بريئة وغير مقدسة، إلا في أذهان من أرادوا ويريدون التوسل بما ليس فيهم، من مثالب وقيم وأخلاقيات، قد تكون بعيدة عن شخوصهم، لكنهم وعبر المقدس والتستر خلفه، يزجون بأنفسهم في معتركات المدنس، أملا في تحقيق مآلات لهم، كما قلنا ليست بريئة، وهي بالتالي ليست مقدسة البتة، كما تفعل تلك القوى والتيارات التي تتمسح بالإسلام، تسييسا له ووضعه في مقابل ما تبتغي النفوس الطامحة بالسلطة وبالحكم.

إن التأكيد على «دينية الدولة» دائما، إنما يهدف إلى إعادة تأكيد الالتباس الحاصل بين الدين والسياسة، وهيمنة المقدس على المجال السياسي، وهو بُعد يناهض الإنسان ويغيّب إرادته في سوس نفسه، وبالتالي قدرته على سوس الدولة، وهذا أجحاف وتماه مع أهداف ليست نظيفة أو نزيهة، فـ «الدولة الدينية» لم يكن لها وجود بالأصل، منذ الصحابة، مرورا بالخلفاء الأوائل، إلى المتأخرين منهم أيام الحكم العثماني، كانت الدولة تنسب نفسها للمجال المدني، وللفضاء السياسي الواضح غير المبهم، فلماذا يُستعاد التنظير الآن لدولة «الإسلام السياسي» الدينية، حتى إن فجور «الدولة الداعشية» ومزاعمها أنها تحكم بالشرع المؤول عشرات المرات، بل مئات المرات، يبلغ مديات عليا من الاستهانة بعقول الناس الراشدين والواعين للعبة التأويل والأضاليل الكاذبة، التي وضعت جنود «داعش» وخليفتها، في مواجهة حقيقتهم العارية: مجرمون كذبة، مزورون، أصحاب سلطة استبداد وطغيان، وقتل بلا قضاء عادل وقضاة عادلون، ولا محاكمة تستند إلى قانون أو شرع نزيه وعادل؟ وهل هناك أكثر من فضيحة سبي وتجارة نساء الأديان الأخرى ودفن «الأيزيديين» أحياء؟. أي شرع.. أو شريعة هي التي تبيح هذه الارتكابات والمجازر الوحشية، ومسلسل القتل الطويل في بلاد الشام والرافدين؟

نحسب بالتأكيد أن الإسلام كدين (نصا وشرعا وشريعة) هو ليس هذا الذي يحكم باسمه داعشيو زماننا هذا، هم خوارج هذا الزمان، شاءوا أم أبوا، لذلك، ليس فيهم رجل حكيم حتى يتبوأ سدة السلطة، ولا هم يحكمون بشرع النص، بل هم خارجون عن نص الشرع، وداخلون في نصوص الحشاشين المعاصرين، وهم يتأولون النص الأساس وكل النصوص الحافة، ويمارسون إجرامهم باسم تأويلاتهم الخاصة، وهنا الإسلام كدين، بالتأكيد براء مما يتأولون.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *