الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : ندواتنا الثقافية

محمد جاد : ندواتنا الثقافية

محمد جاد
محمد جاد

في ظل الظروف التي يحياها الوطن العربي، بجميع أقطاره، نجد أن السُلطة في أي منها دوماً ما تنتظر للثقافة وإنتاجها كمجرد حالة تجميل لوجهها، من دون التفكير في معنى أن تهتم بإنتاج الثقافة، أو محاولة استيراد النافع منها، وخاصة أن العالم العربي – صفة العالم يطلقها العرب على أنفسهم ــ منذ قرون، وهو عالة على العالم، ولا يُنتج شيئاً له معنى، اللهم بمجهودات فردية، يكون تكوينها الثقافي والفكري لا ينتمي للعرب، بشكل أو بآخر، وإن حاول أن يتماس مع مجتمعه تخرج له الأصوات التي تربَّت في حظيرة السُلطة، جيلاً بعد جيل، بقائمة التهم الجاهزة مُسبقاً.

هذه الحالة من التردي نلحظها ماثلة في «ندواتنا الثقافية»، حيث العلاقة المُتشككة دوماً بين الناقد والفنان والجمهور، كل منهم لا يثق في الآخر، ويأتي محاولاً كشف فشل الآخر بأي طريقة. لنتذكر ندوة عن ديوان شعر أو رواية أو عرض مسرحي، أو حتى فيلم سينما.. فرغم اختلاف المعايير النقدية، فإن الكلمات تكاد تكون واحدة – نستثني هنا حالة الانبهار إذا ما كان الفنان كبير القامة الفنية، أو حتى كبير السِن – بخلاف ذلك تبدأ الثرثرة لمجرد الرغبة في الحديث، لينتهي الأمر وكل طرف يحاول أن يثبت لنفسه أولاً مدى التفوق الذي أحرزه حينما دحر خصمه، وكشف تفاهة موقفه.

من الممكن تطبيق هذه الحالة على معظم النقاشات التي تدور بيننا، سواء في ندوة أو داخل مقهى، فرأي الآخر هو دوماً اختبار يجب حله بالقضاء عليه، الانشغال دوماً بكشف نقاط ضعفه وردها، من دون التفكير في ما يقوله.

هذه الحالة العامة بديل لتفريغ شحنة اليأس والقهر التي أورثتنا إياها السُلطة المرتجفة، التي بدورها تتلقى أشد صفعات النقد واللوم من سُلطة أخرى أكبر وأقسى، وهي بذلك – سُلطتنا الباسلة – نجحت في إنتاج أجيال على شاكلتها – قطيع – يُناقضها في العلن، ويمثل دور البطولة في نضاله الوهمي أمامها، إلا أنه في قرارة نفسه يريد الانتساب إليها، بأي شكل، ولو حتى بتمثل مفرداتها.. كيقين المعرفة، والسخرية من رأي مُعارض، أبسط صفاته الجهل.

فهل نأمل وسط زخم الميديا والعالم المفتوح أن ننتج شيئاً له معنى – بالنسبة لنا على الأقل – أم نهدهد عقولنا بأننا امتلكنا المعرفة المُطلقة، وما على الآخرين سوى السمع والطاعة، وإلا ستبقى تهمة التجهيل مُسلطة فوق الرؤوس؟!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *