الرئيسية » محليات » انطلاقا من سؤال عاشور لوزير الداخلية: معطيات خاطئة ونتائج مغلوطة.. وتوقيت مشبوه!

انطلاقا من سؤال عاشور لوزير الداخلية: معطيات خاطئة ونتائج مغلوطة.. وتوقيت مشبوه!

التلويح بسحب الجنسية يزيد من التفسخ في النسيج الاجتماعي الكويتي
التلويح بسحب الجنسية يزيد من التفسخ في النسيج الاجتماعي الكويتي

محمد الغربللي:
طبيعي أن يوجه أحد النواب أسئلة لأحد الوزراء، فهي من أدواته الدستورية، لتكون إجابات تلك الأسئلة عضدا له في الدور الرقابي المفترض أن يقوم به كنائب في مجلس الأمة، لكن غير الطبيعي والمستغرب أن يقوم أحد النواب باختراع معطيات أو تغيير معطيات محددة ومنشورة، وبناء فرضيات يبتكرها ويصل إلى نتائج عديدة، ليس بالضرورة أن تكون صحيحة، ثم يقوم بتوجيه سؤال للوزير المعني، طالباً الإجابة عن سؤاله.

صالح عاشور
صالح عاشور

هذا ما قام به النائب صالح عاشور بتوجيه سؤال إلى وزير الداخلية، ذكر فيه أنه «بحسب الإحصائيات كان تعداد الكويتيين بعد التحرير 650 ألف نسمة، وبحسب الدراسات، فإن أعلى نسبة لزيادة السكان في العالم تتراوح بين 2 و3 في المائة، وإذا تم احتساب نسبة 2.5 في المائة، كمتوسط زيادة، فهذا يعني أن الزيادة السنوية للكويتيين تبلغ 16250 نسمة سنويا، والآن، وبعد مرور 24 سنة على التحرير، يفترض أن يكون تعداد الكويتيين مليونا وأربعين ألف نسمة.. وبحسب الإحصائيات، فإن عدد الكويتيين بلغ مليونا و350 ألفا، أي أن هناك 310 آلاف شخص تم تجنيسهم (أي أعلى من النسبة الاعتيادية لزيادة السكان)!

واستكمل في معطياته، أنه «إذا احتسبنا أنه تم تجنيس 60 ألف شخص تحت بند زوجات الكويتيين، و40 ألفا تحت بند أبناء الكويتيات وغير محددي الجنسية وأعمال جليلة، فذلك يعني أن هناك 200 ألف شخص تم تجنيسهم بواسطة الحكومة، وتساءل عن مبررات تجنيس هذا العدد (الذي وصل إليه) والمرجع القانوني الذي تم وفقه تجنيس الـ 200 ألف شخص)».

إحصائيات دقيقة

هكذا أتت معطيات عاشور، وعلى هذا الأساس بنى سؤاله الموجه لوزير الداخلية، وقد وضعت «القبس» يوم الإثنين من الأسبوع الماضي – وعلى غير عادتها المعروفة بالاتزان والتيقن- هذا «المعطى العاشوري» كعنوان بالبنط العريض على صدر صفحتها الأولى، كما تناول أ.حسن العيسى في «الجريدة» الثلاثاء من الأسبوع الماضي هذا الرقم الذي وصل إليه عاشور.

مهلاً! رويدكم أيها السادة، دعونا نعيد النظر، توخيا للدقة بشكل عام وحتى من دون تعمق كبير في معطات السيد عاشور..

لدينا:

1 – بموجب الإحصائيات الرسمية الصادرة عن الإدارة العامة للإحصاء بتاريخ 30/6/ 2012، بلغ عدد السكان من الكويتيين 1.128.381 نسمة، وهو غير الرقم عن مجمل عدد السكان الكويتيين الذي ضمنه النائب بسؤاله.
2 – بموجب التقرير الأسبوعي الذي صدر عن مكتب الشال، استناداً للمعطيات الإحصائية بتاريخ 11/5/2014، وصل عدد السكان الكوتيين حتى نهاية عام 2013 إلى 1.242.000 نسمة، وهو أيضا رقم مخالف لرقم النائب عاشور، وفقاً لما ذكره في سؤاله.
3 – نشرت د.أمل الصباح دراسة عن مستويات الزيادة الطبيعية واتجاهات النمو السكاني في الكويت في عام 1992، وبينت بموجب المعطيات الإحصائية، أن نسبة النمو السكاني للكويتيين عام 1975 بلغ 603 في المائة، وأصبح 6 في المائة عام 1985، وهي نسبة عالية، وليس كما افترضها عاشور في معطياته.

محم الخالد
محم الخالد

ويجب التوضيح أن النسب متغيرة، وليست ثابتة.. فعلى افتراض الإقرار بأن النسبة هي 2.5 في المائة سنويا، فهي ستنطبق على عدد متراكم من سنة إلى أخرى، فنسبة العام الماضي قياساً للعدد الإجمالي للسكان ستعطي نتائج أقل عدديا للسنة التي تليها، والسنة التي تليها ستعطي نتائج رقمية أقل من السنة السابقة عليها، وهكذا دواليك.

مدلولات مهمة

ولإظهار مسألة الاعتماد فقط على النسبة المئوية، نجد أن إحصائيات السكان من الكويتيين ما بين عقد وآخر فيها مدلولات مهمة، فما بين إحصاء 65 وإحصاء 75 ارتفعت نسبة الكويتيين إلى 82 في المائة، فقد كان عدد السكان عام 65 يبلغ 168 ألفا، ووصل عام 75 إلى 307 آلاف، بغض النظر عن الأسباب التي أدَّت إلى هذا الارتفاع من تجنيس وغيرها، ونجد أن نسبة الزيادة السكانية في عقد آخر ما بين عام 1995 إلى عام 2005 هي 31.6 في المائة فقط، وهي نسبة تقل عن نسبة 65 – 75.

في الوقت الذي بلغ فيه عدد السكان في هذا العقد 206 آلاف، أي يفوق عددهم خلال الأعوام 65 – 75.

فالنسبة تعني الارتكاز على المنسوب إليه من عدد، وليس قائما بحد ذاته، فلو كانت نسبة الزيادة السنوية للسكان في الهند 1 في المائة فقط، فإن زيادة السكان السنوية عدديا ستكون 12 مليون نسمة.

النائب عاشور، ليس جديداً على الكرسي البرلماني، فحتما مرَّت عليه خطة التنمية للأعوام 2010 – 2014، التي صدرت بقانون ونشرت في الجريدة الرسمية بتاريخ 28/2/ 2010، وقد أتى موضوع التركيبة السكانية وسوق العمل في البند الثاني من بنود الخطة، حين ذكرت فيه أن نمو معدل السكان الكويتيين 303 في المائة، وليس كما افترض عاشور.

دلالات سلبية

بعيداً عن معطيات الأعداد والأرقام، وبغض النظر عن النسب الخاطئة التي بنى عليها النائب عاشور سؤاله وفق استنتاجاته الرقمية، فأن يأتي هذا الحديث في هذا الوقت، فإنه يحمل دلالات سلبية، في ظل سياسة حكومية غير صائبة قامت بموجبها بسحب جنسيات عدد من المواطنين، لأسباب سياسية وليست إدارية، وبالذات السحب الأول الذي قامت به.. يضاف إلى ذلك تصريحات نواب آخرين عبر «تويتر» بشأن الوجبات القادمة من سحب الجنسيات بصورة استفزازية نتائجها ستكون في منتهى السلبية على مكونات المجتمع، وزيادة حالة التوتر في النسيج الاجتماعي.. وان هناك ما يشبه غياب الرشد في التوجه الحكومي. ويفترض ألا يغيب هذا الأمر عن النواب، وبالتالي ألا يقوموا برفع وتيرة الصوت في هذا الموضوع، أو توجيه الأسئلة النيابية على هذه الشاكلة، فهذا من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من التفسخ في النسيج الاجتماعي الكويتي، جهلاً أو تعمداً خاصة ونحن نقع في وسط محيط عربي يعيش حالة من الشد والتوتر، في ظل التجاذب والاقتتال المذهبي والديني للمكون الوطني العام.

إجراءات منع التزوير

أحد النواب ممن يطبق مثل «من طق طبله قال أنا قبله» صرَّح الأسبوع الماضي أيضا بأنه «يفترض سحب الجنسيات من كل من زور في الجنسية، سواء كان من المعارضة أو الموالاة» كما قال، فإذا كان الموضوع بالتسابق في الإدلاء بمثل هذه التصريحات، أو عن طريق توجيه الأسئلة، فالأولى أن يدخل السباق مع المتسابقين! عدا أن في تصريحه هذا ما يوحي وكأن هناك من زور جنسيته التي لا تُمنح له إلا بعد تمحيص وبيانات لا لبس فيها في الدوائر الحكومية، من بطاقة مدنية وعقد زواج وإحصاءات وكشف بالعلامة الوراثية، للتأكد في حال كانت هناك شكوك بانتمائه الأسري.. وغيرها من الإجراءات، وهي جميعها لدى الإدارة الحكومية القادرة بموجب تلك البيانات الكشف عن أي وثيقة مزورة.. وإذا كان هناك تزوير ما، فسيكون صادرا من الجهة الحكومية التي تمتلك كافة المعلومات.

وفي الحقيقة، فإن فتح الباب على هذه «الهوجة» من التصريحات التي وصلت إلى الأسئلة البرلمانية، ما هو إلا نتيجة للإجراءات الحكومية التي اتخذتها بعيداً عن التعقل والرشد، فضلاً عن الجهل بما يحيط بنا، وبالتالي، فإن مَن يتبعها يقوم بمؤازرتها، جهلاً أو عمداً، وهذا ليس الطريق الصحيح لبناء الوطن بكافة مكوناته الاجتماعية..
فقليل من التعقل والحكمة في إدارة الأمور.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *