الرئيسية » ثقافة » علامات سينمائية (3): «زوجتي والكلب».. وهم الذكورة المفقود

علامات سينمائية (3): «زوجتي والكلب».. وهم الذكورة المفقود

ملصق الفيلم
ملصق الفيلم

كتب محمد عبدالرحيم:
لم يزل فيلم «زوجتي والكلب»، للمخرج وكاتب السيناريو سعيد مرزوق، من الأفلام التي يمكن الجدل حولها وتأويلها، منذ أن قدمه مرزوق عام 1971، كأول فيلم روائي طويل له.

لم يكن الفيلم يُناقش قضية سياسية، حتى يُثار الجدل حوله، كشأن أفلام تلك الفترة، لكنه كان أعمق من مجرد أفيش دعائي لمُنتج وفكر سياسي، سواء بالموافقة أو المُخالفة.. كان حالة إنسانية مزمنة، بهواجسها وتفاصيلها، حالة كامنة في لاوعي الإنسان، أياً كان موطنه أو مكانه فوق هذا العالم.. ولعل الفيلم هو أفضل أفلام المخرج، رغم أفلامه الأخرى التي نالت حظها من الشهرة، سواء لموقف اجتماعي، كما في فيلم «أريد حلاً 1975»، أو الكشف عن فساد سياسي مُتأصل، كفيلمه الشهير «المذنبون 1976»، فحالة فيلم «زوجتي والكلب» – رغم مُباشرة الاسم والتشبيه ــ حالة إنسانية خالصة، لن يطويها الزمن بتغيّر ظرف خارجي ما، المسألة تتعلق بوهم المعرفة والخبرة الحياتية والتجارب، من خلال أبسط العلاقات وأعمقها.. علاقة رجل بامرأة.

حكاية حارس الفنار

رجل تجاوز سن الشباب (محمود مُرسي)، جعل من هذه السِن فترة جمع خبرات حياتية يتباهى بها كل ذكر، رجل عاش كجامع للملذات، غارق بها، حتى وجد ضالته أخيراً واهتدى إلى امرأة شابة (سُعاد حسني) وتزوجها، يعمل كأحد حرّاس فنارات السفن، مكان بعيد كأنه السجن، وهو المكان الصالح تماماً لوضع ذكرياته أمامه، يتفحصها ويُعيد مُعايشتها، في ظِل الفراغ الرهيب الذي يحياه، على المستويين المكاني والنفسي، والذي أصبح يود الهرب منه إلى حاضره ــ امرأته التي تنتظر ــ وبين مجموعة من الرجال، أحدهما شاب لم يتجاوز المراهقة النفسية بعد (نور الشريف)، ويبدو على الجميع تأثير العزلة ومرور الوقت، والشعور بأن الكلمات قد قيلت من قبل، والأفعال هي نفسها.

في ظِل هذا الملل، يبدأ مرسي في الحديث إلى نور تحت إلحاح الأخير ببعض ذكرياته – البوح بها – كما كان نور يبوح بتصاوير النساء العرايا، كبديل عن تجربة حقيقية لم يعشها بعد، هذه هي اللحظة الآنية الوحيدة في الفيلم.. لحظة البوح بالذكريات، ليصبح المستقبل جحيماً لا يحتمله مرسي، ومقارنة لا تنتهي في رأس نور، إلا بالفعل الوحيد الذي قام به، والمتمثل في زيارته الفعلية لـ «سعاد»، التي خيّبت ظنونه وأفكاره وهو في طريقه إليها.

المقارنة هنا بين شاب عديم التجربة، لم تشتعل ظنونه إلا لحظات، لأنه يحيا الوهم، ولم يعرف الفعل، وبين رجل عاش الفعل، وأصبح يتنفس وهم ظنونه.

الحاضر في ظل الجمال والعزلة

الحكاية كلها تدور حول «مرسي»، ماضيه الملوث بخيانات الأصدقاء، وإقامة العلاقات مع زوجاتهم، فظن أن تاريخه الذكوري هذا صالحاً للتباهي بينه وبين نفسه، تاريخ المخاطرة وإثبات الذات، إلا أن هذا التباهي يتحوَّل إلى جحيم، بعد زواجه، فهو العالِم بأحوال النساء، يترك الآن امرأة في بداية حياتها الزوجية، شابة وجميلة، وبريئة – الملامح والروح – هذه البراءة التي جعلت مرسي يحيا الشك أكثر وأكثر.. هل ستفعل مثل الأخريات؟ وما ومَن الذي سيمنعها؟! وحالة التخبط هذه جعلته لم يجد ويثق إلا في «ظِله» الشاب المهووس جنسياً (نور)، نظراً لسِنة الصغير، وعدم خوضه تجربة فعلية. نور الذي يستمع إلى حكايات مرسي، وكأنها وحي، فاغر الفم، مشدوهاً، ولا يرى في مرسي إلا مُعلمه الأوحد. لم يكن مرسي يقصد من إرسال الخطاب إلى سعاد عبر نور، إلا وسيلة لما هو أقسى.. تكليفه بمراقبة امرأته، هنا تصبح المسألة أقرب إلى انهيار تاريخ التباهي (الوهمي) كله أمام الشاب الطائش الغِر، خالي التجارب، الظِل بالنسبة لشخصية مرسي المتوهجة بالخبرات، فالرجل قد سقط أمام نفسه أولاً، قبل أن يسقط أمام نور.

تجريد الشخصيات والأماكن

عكست الشخصيات حالة نفسية البطل، وخاصة سعاد ونور، وأصبحت عبارة عن مجرد تجسيد لأفكاره ــ بغض النظر عن المقارنة الفجة بين نور والكلب، والتأكيد عليها بالصورة والحوار المُباشر – إلا أن الأهم هو المقابلة الدائمة والتباين الذي يؤكد حالة العيش بين اليقين والوهم.. اليقين بأن سعاد لن تخونه، والوهم بأنها فعلت كما النساء المُعلقات بذاكرة زوجها. الوهم بأن سذاجة الشاب نور قد فضّتها حكايات مرسي له، ومع امرأته، وله في نفسه أسوة سيئة. اليقين من الفنار المنتصب في غرور بأنه هادٍ للسفن، وسط هذا البحر المُتقلب، الوهم بهذه القدرة على النجاة، والإفلات من خطر الغرق. حالة رمزية يؤكدها العديد من الكادرات والتكوينات البصرية، التي نجحت إلى حدٍ كبير في أن تصبح هي اللغة العليا في الفيلم، بخلاف الحوار، ليأتي في المرتبة الثانية.
العديد من اللقطات كانت تؤسس لحالة الصمت والموت التي في المكان.. كجلسة الطعام بين الرفاق عند مجيء مرسي بعد زواجه، ثم توالي اللقطات للفراغ المحيط بالمكان وطبيعته، بعد أن انفض الجميع من حوله.. لقطات متتابعة قصيرة تجسد حالة هذا السجن، بخلاف لحظات الضحك التي تسرَّبت في بساطة وبديهية.

المقابلة الدائمة بين حجرة نوم مرسي وزخمها بوجود امرأة – تتنافى براءة وجهها وتكوينها الجسدي – وحجرته في الفنار.. طبيعة الأثاث وإكسسوارات المكان (كلوب، مَنقد، براد شاي) بخلاف الإضاءة الخافتة، التي تعطي انطباعاً مُقبضاً، على العكس من إضاءة حجرة نومه، التي تبدو كحلم يراود مخيلة مرسي طوال الوقت، على العكس من واقعه المظلم، بين ما يحياه وما يأمله.

التواطؤ

من أفضل ما أوحت به النهاية، أنها جعلت صاحب الحكاية (يتأنث) والمقصود هنا بهذه الكلمة، هو أن يعيش حالة من التواطؤ طوال حياته ــ بين وهمه ويقينه ــ كحالات التواطؤ التي كانت تعيشها نساء مخيلته الساقطات، وهو انتقام قدري أشبه بدراما اليونان. الرجل تأنث، فاستلانت ملامحه، ولم يجد سوى مُحاولة تَمَثل الحِكمة ليداري وهمه الذكوري الذي انهار أمامه في لحظة. وربما تكون هذه هي الحِكمة التي يتنفسها الكبار في وجوهنا، ليل نهار، فنغفر لهم جروحهم، التي ستطولنا في وقت لاحق.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *