الرئيسية » عربي ودولي » من دير ياسين إلى خزاعة.. الوحشية الإسرائيلية متواصلة

من دير ياسين إلى خزاعة.. الوحشية الإسرائيلية متواصلة

مجزرة خزاعة.. صورة للوحشية الإسرائيلية التي توالت عبر التاريخ
مجزرة خزاعة.. صورة للوحشية الإسرائيلية التي توالت عبر التاريخ

محمد الغربللي:
بعد انتهاء الحرب الثالثة على غزة، المحاصرة بأيام بلغت الشهر، بدأت الوقائع تتكشف، بجزئياتها، عما مرَّت به بعض المناطق في قطاع غزة من إجرام صهيوني يعبّر عن الأيديولوجية الصهيونية التي مُورست منذ عام 1948 حتى يومنا هذا، من دون تغيير أو تبديل، سواء بدايتها، عن طريق مؤسسي الكيان الصهيوني، بن غوريون ووزرائه حتى نتنياهو ومحيطه من الوزراء.

هناك متغيران فقط، الأول تمثل بيمينية وتطرف إسرائيل، بأغلبية شعبها، أغلبية تواصل إيصال أشد المتطرفين إلى سدة الحكم، والقرار والمتغير الثاني بزيادة القوة العسكرية الإسرائيلية، نوعاً وعدداً، ما يتيح لها مزيداً من القتل والتشريد، استنادا إلى هذه الأيديولوجية التي بنت دولتها عليها منذ 66 عاماً.

مجزرة خزاعة

المنظر العام في غزة طوال أيام الحرب، هو التدمير والقتل، والذي لم تسلم منه حتى مدارس الإيواء – التابعة لمنظمة الأنروا.. أما المشاهد الجزئية بعد توقف إطلاق النار، ففيه قتل متعمَّد، وبدماء باردة، للمدنيين، كما جرى في منطقة خزاعة المتاخمة للحدود الإسرائيلية، حيث دخل الجنود الإسرائيليون، وقاموا بإعدامات جماعية ضد المدنيين العزل وبدم بارد.. هناك كبار في السن مَن رفع لهم إشارة بيضاء، حتى ينأى عن الأذى، إلا أنهم أطلقوا عليه الرصاص من مسافة قريبة.. وقاموا بعمليات إعدام جماعية أخرى لمجموعة أخرى من السكان.. أتت هذه المذبحة في خزاعة، بعد قصف بمختلف الأسلحة والصواريخ ضد السكان، وبعد أن تم قطع الكهرباء والهواتف، فغدت المدينة معزولة عن محيطها في غزة.. بعد ذلك، وبدخول القوات الإسرائيلية ووسط الركام، قامت بقتل أعداد كبيرة من السكان، وفق ما جاء في روايات الشهود من الباقين من سكان المنطقة.. ولم يتم كشف الحكاية، حكاية خزاعة، إلا بعد توقف الاتصال والحرب بهذه المنطقة المنكوبة التي تعرَّضت للمجزرة الإسرائيلية، من سكان ومنازل مقصوفة وشهادات حية وضحايا تم إعدامهم.

مذبحة دير ياسين

بقدر ما هي ذات الصورة التي جرت في أبريل من عام 1948، في قرية دير ياسين، عندما جرى قتل ما يفوق الـ 200 شهيد، وكانت الكتائب الصهيونية وقتها تحت زعامة مناحيم بيغن، الذي تقاسم جائزة نوبل للسلام مع السادات!

لم تكن مذبحة عادية، فهي مماثلة تماماً للمذابح التي يرتكبها «داعش» في يومنا هذا.. فبعد القتل، تم التمثيل بالجثث وبقر البطون وقتل الأطفال، هذا القتل الوحشي يهدف إلى ترويع السكان العرب من المدنيين هناك، لدفعهم على إخلاء قراهم..

وقتها تنصل الصهاينة، بقيادة بن غوريون، من هذه الفعلة وتلك المجزرة، وألقوا بالتهمة على منظمة مناحيم بيغن المتطرفة بالنسبة إليهم، وكانت العلاقات الشخصية والسياسية متوترة جداً بين بن غورين وبيغن، وظلت كذلك، حتى بعد قيام إسرائيل.. فألقى بالتهمة عليه، مع أن كلاهما ينبع من ذات المصب الإرهابي.

التطهير العرقي في إسرائيل

في كتاب بعنوان «التطهير العرقي في إسرائيل»، للكاتب الإسرائيلي إيلان بابية، وهو من الكُتاب الإسرائيليين المناهضين للصهيونية، والذي تعرَّض لمضايقات عدة في الجامعة التي يدرّس فيها، يذكر «أنه في عصر يوم الأربعاء 10 مارس 1948، وفي مبنى من شارع البركون في تل أبيب، والذي كان مقراً للهاغانا الصهيونية، اجتمع في ذلك اليوم مجموعة من القادة الإسرائيليين، ووضعوا خطة «دالت»، وكان يرأس الاجتماع بن غوريون، بمشاركة إيغال يادين وموشي ديان وإسحق ساديه وإيغال ألون وأعضاء آخرين من الهاغانا الإرهابية، وكانت خطة دالت تقضي باقتلاع 800 ألف فلسطيني من ديارهم وتدمير 531 قرية»!

ويذكر إيلان في كتابه «أنه في ليلة 15 فبراير 1948، تم اجتياح قرية سعسع، وأصدر إيغال ألون قائد البالماخ الأمر بمهاجمة قرية سعسع، وتمَّت مهاجمتها في الليل وإطلاق النار على أحد حراس القرية الذي فوجئ بوجود الجنود في هذه القرية الآمنة. بعدها تم التقدم في القرية ونسف البيوت، واحدا تلو الآخر، فيما كانت العائلات لاتزال نائمة فيها، وفي النهاية خلفوا وراءهم أكثر من 35 منزلاً مدمراً بالكامل».

وما جرى في قرية سعسع امتد لعدد كبير من القرى الفلسطينية الأخرى، تنفيذا لخطة دالت، وما جرى في هذه القرية وقرى فلسطينية أخرى عام 1948، لا يختلف عن مذبحة دير ياسين، فقط جرى التنديد بالمذبحة من جراء الصراع السياسي المحتدم بين طرفين صهيونيين، طرف يمثله بن غوريون، والآخر مناحيم بيغن، والمحصلة النهائية هي ذاتها في القتل والتنكيل.

العقلية الإجرامية ذاتها

هي ربما تكون المحطة الأولى للاعتداءات الصهيونية منذ ذلك الوقت، وتمددت واستقوت على مرَ السنين، بأسلحتها الأميركية المتطورة والضلوع الغربي المتواطئ.. عملية استمرار من دون توقف.. هل نذكر استخدام الولايات المتحدة الأميركية حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن، حتى لا تدان إسرائيل من جراء المجزرة التي ارتكبتها في قانا في جنوب لبنان، أو قيامها بقصف مدرسة تلاميذ في بحر البقر في مصر؟

هي العقلية ذاتها التي بدأت منذ عام 1948، واستمرت حتى يومنا هذا، وطوال السنوات كانت المساندة الأميركية وبعض الدول الأوروبية سلاحاً ودعماً سياسياً في المنظمات الدولية وغيرها.. على مدار العقود استمرت هذه المنهجية الإجرامية الصهيونية، وآخر تجلياتها كانت في خزاعة، ولكن هذه المرة يضاف إلى الضلوع الأميركي والأوروبي هذا الصمت العربي المخيف.. صمت متداخل بشكل أو بآخر مع هذا الضلوع. في الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية.. هل نصل في القادم من الأيام إلى مشاركة في مثل تلك الاعتداءات بشكل أو بآخر؟

لا نستبعد ذلك، مادامت أحوالنا من دون تغيير أو تبديل.. مذبحة خزاعة يجب أن تشرح وتكشف، فهي آخر صورة من المشاهد المتكررة من المذابح الإسرائيلية.. من دير ياسين وسعسع حتى خزاعة..
غزة المنظر يتكرر والمضمون واحد.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *