الرئيسية » عربي ودولي » تحولات جديدة تفرض على واشنطن مراجعة سياسية وتقييم الأوضاع

تحولات جديدة تفرض على واشنطن مراجعة سياسية وتقييم الأوضاع

كتب محرر الشؤون الدولية:
لطالما كان النفط نقطة ضعف الولايات المتحدة الأميركية، التي من أجلها أدخلت نفسها في أتون حروب، بدءاً من أفغانستان، وصولاً إلى العراق، وكان ولايزال يحتل الأولوية في اهتمامات السياسة الأميركية الخارجية.

لا يخفى على أحد أن من أهم الأهداف الأميركية في منطقة الشرق الأوسط الهيمنة على الموارد النفطية والغاز، ومن هنا عمدت إلى تعزيز وجودها الأمني والعسكري في الشرق الأوسط، عبر إشعال الحروب، لتكون هناك ذريعة لوجودها، وبالتالي وضع يدها على موارد النفط.

العراق وأميركا

منذ ثمانينات القرن الماضي، ظهرت الأطماع الأميركية بالنفط في منطقة الخليج، فكشرت الولايات المتحدة الأميركية عن أنيابها، وذلك عبر افتعال الحرب بين إيران والعراق، وذلك لهدفين: الأول إضعاف إيران بعد سقوط الشاه، والثاني لوضع يدها على ثاني أكبر احتياط نفطي في العالم، وخصوصاً بعد أن رفض صدام حسين عرضاً أميركياً أوصله مبعوث الرئيس الأميركي رونالد ريغان، آنذاك، رونالد رامسفيلد عام 1983، يقضي بتمديد خط أنابيب نفط بكلفة ملياري دولار تتولى بناءه شركة بيكتيل من حقول النفط قرب الفرات إلى جنوب العراق عبر الأردن حتى خليج العقبة.

ويبدو أن هذا الرفض أزعج المسؤولين في البيت الأبيض، الذين استمروا في محاولاتهم، حتى جاءتهم الفرصة في عام 2003، عبر دخول العراق تحت غطاء تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية، التي تهدد الانتقال الحُر للنفط من الخليج إلى الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من عدم استقرار الجبهة العراقية، فإن الإدارة الأميركية نجحت في وضع يدها على الاحتياطي النفطي العراقي، وبالتالي إحكام حصارها على إيران.

النووي الإيراني

وعلى الرغم من أن الإدارة الأميركية تنظر بقلق شديد لتنامي القدرات النووية الإيرانية، وإعلانها، مراراً وتكراراً، أن طهران تشكل خطراً استراتيجياً لها ولحلفائها بمنطقة الخليج، فإن ما تظهره في العلن يبدو أنه يختلف عما يجري في الخفاء وتحت الطاولات، حيث نرى أنها تستخدم مع إيران سياسة اللين والتشدد، فمن جهة تهددها بضربات عسكرية وفرض عقوبات عليها، ومن جهة أخرى تسعى إلى إجراء مفاوضات معها، للوصول إلى حل للحد من التطور النووي.

ورغم أن خطر تنامي النووي الإيراني هو الشعار الذي ترفعه الإدارة الأميركية في مواقفها العدائية ضد إيران، فإن الهدف الرئيسي يبقى وقف أحلام طهران بفرض هيمنتها في الشرق الأوسط، وبالتالي معاقرة واشنطن في الدار العراقية، ومن هنا تسعى الإدارة الأميركية إلى اللجوء إلى حلول سلمية، أبرزها إجراء محادثات تركز على إنهاء أنشطة التخصيب التي تقوم بها إيران، أو بتحويل مخزونها من اليورانيوم الغازي الجاهز للتخصيب إلى عناصر الوقود المعدنية، كونها تشكل تهديداً أقل بكثير، وهو حل يبدو بعيداً على المدى القريب، في ظل إصرار إيران على موقفها وحقها بامتلاك قدرات نووية.

والملاحظ في السياسة الأميركية تجاه إيران أخيراً وجود تبدل في مواقفها لناحية التقارب الذي نشأ بين الطرفين، وأفضى إلى إجراء مفاوضات لبحث الملف النووي الإيراني، ولكسب ودّ الطرف الإيراني، الذي يستعمل الأزمة السورية وقدرته على التأثير على الرئيس السوري بشار الأسد وحزب الله ورقة رابحة يلوح بها في وجه أميركا كلما صعدت من مواقفها ولهجتها.

الربيع العربي

مع ثورات الربيع العربي، تبدلت صورة الحلفاء لدى أميركا، فحلفاء الأمس باتوا أعداء اليوم، وأعداء الأمس حلفاء اليوم، ونقصد بذلك القوى الإسلامية وانتقالها من صفوف المعارضة، والاضطهاد السياسي، إلى سدة الحكم، وكل ذلك بهدف حماية مصالحها المحلية والإقليمية.

ورغم أن هذه الثورات شكلت صفعة أفقدت الإدارة الأميركية توازنها لفترة من الزمن، فإنها سرعان ما استعادت وعيها وتوازنها، وبدأت بإقامة تحالفات مع القوى السياسية الجديدة التي تسلمت زمام الحكم، على الرغم من أن هذه القوى قد تشكل تهديداً لحليفها الاستراتيجي، إسرائيل، وكل ذلك للمحافظة على مصالحها الحيوية بالمنطقة في مرحلة ما بعد الثورات والتحولات، التي فرضت على أميركا البحث عن قواعد لعبة سياسية جديدة مع أنظمة الحكم هذه التي أفرزتها الثورات تتلاءم مع التوجهات والمصالح الأميركية.

ولم تفلح الزيارات المتكررة التي يقوم بها وزير الخارجية الأميركية جون كيري إلى الشرق الأوسط في إخراج ملف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية من غرفة الإنعاش، وقد ازداد الوضع سوءاً وتعقيداً مع العدوان الإسرائيلي على غزة، والذي خلف حتى الآن أكثر من ألفي شهيد وعشرة آلاف جريح.

هذا العدوان الإسرائيلي لم يبدل في موقف أميركا تجاه حليفها الصهيوني لناحية الوقوف إلى جانبه والتصريح بأحقيته في الدفاع عن نفسه، من دون الأخذ بعين الاعتبار الأرواح البريئة التي كانت ضحية الآلة العسكرية الغاشمة.

واللافت أنه مع استمرار العدوان تستمر واشنطن في سياسة الكيل بمكيالين، من خلال سعيها إلى إقناع الدول العربية الحليفة لها بعقد مفاوضات سلام وتطبيع مع العدو الصهيوني، وذلك بهدف ضمان أمن إسرائيل وحماية حدودها من أي اعتداءات محتملة.

الأزمة السورية

ولايزال الموقف الأميركي من الأزمة السورية متذبذباً.. فعلى الرغم من دعم الإدارة الأميركية للثورة، وسعيها مع حلفائها لإسقاط النظام السوري، فإن عدم تدخلها عسكرياً حتى الآن لايزال يحمل العديد من علامات الاستفهام، مع العلم بأن بعض الباحثين أرجعوا السبب إلى رغبة واشنطن في عدم الدخول في مواجهات مع حليفي النظام السوري، روسيا وإيران، اللذين أعلنا مساندتهما للرئيس السوري في أي مواجهة محتملة مع أميركا، هذا على الرغم من امتداد شرارة الحرب السورية إلى البلدان المجاورة، لبنان والعراق.

ولا يختلف اثنان على أن النفوذ الأميركي، سواء كان عسكرياً أم أمنياً أم اقتصادياً، لايزال قوياً ومتماسكاً، إلا أن التحولات الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، من نشوء ثورات وحدوث فوضى، تفرض عليها مراجعة سياستها، فضلاً عن إعادة تقييم وضعها، ولاسيما أن ما يجري قد يخرج عن إطار سيطرتها ويهدد نفوذها في الشرق الأوسط، وبالتالي يقضي على حلمها بشرق أوسط جديد.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *