الرئيسية » أحمد الجاسم » أحمد الجاسم : العدوان الثالث على غزة.. حسابات النجاح والفشل

أحمد الجاسم : العدوان الثالث على غزة.. حسابات النجاح والفشل

أحمد الجاسم
أحمد الجاسم

خلال السنوات الست الماضية، شنّ الكيان الغاصب (إسرائيل) ثلاث حروب على غزة، آخرها عملية «الجرف الصامد»، المستمرة منذ أكثر من شهر، من دون أن يستطيع العدو تحقيق الانتصار على المقاومة الفلسطينية الصامدة والباسلة.. وحتى الآن لم يتوصل الطرفان، الفلسطيني والإسرائيلي، إلى اتفاق نهائي يوقف إطلاق النار حتى كتابة هذه السطور، ولا تزال المفاوضات جارية عبر «محادثات القاهرة» والمبادرة المصرية، التي ولدت ميتة، كونها لا تشتمل على أي شرط من مطالب المقاومة، المتمثلة بـ «فك الحصار عن القطاع، جواً وبراً وبحراً، ووقف الاستيطان، وإطلاق سراح الأسرى الإداريين المعتقلين في سجون الاحتلال، وبقاء السلاح بيد المقاومة مادام الاحتلال باقياً».

فقطاع غزة يعيش حالة من الحصار الخانق، الذي فُرض عليه منذ عام 2006، أي بعد فوز «حماس» في الانتخابات التشريعية، وذلك لمعاقبة أهالي القطاع على اختيارهم لحركة حماس، التي لا تعترف بسلطة الاحتلال وشرعية وجوده، وتختار الكفاح المسلح لمواجهته بدلا من النضال السلمي، الذي يتخذه ورثة «أوسلو» كإشعال الشموع، وقرع الطبول.. فالعدوان ليس رداً على إرهاب قتل ثلاثة مستوطنين مختطفين، كما يدّعي السفاح نتنياهو، وخصوصاً أن القتلة مجهولون.

لم تعد أسطورة «الجيش الذي لا يُقهر» و«الجيش الذي هزم سبعة جيوش عربية» تَصدق على جيش الاحتلال الإسرائيلي.. فعلى الرغم من الحملة الوحشية والإبادة الجماعية التي مارسها العدو بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، التي وصفها الزعيم الكوبي، وليس العربي، كاسترو، بمحرقة «الهلوكوست الفلسطينية»، فإنه لم يستطع تحقيق النصر. فالهدف من الحرب كان إبادة المقاومة وتدمير الأنفاق، فلا المقاومة أُبيدت، ولا الأنفاق دُمرت كلها.

هذا الرأي لا يعجب الأعدقاء العرب (المصطلح يمزج بين الأعداء والأصدقاء)، الذين لا يصدقون سوى دعاية العدو الصهيوني، ولا يثقون إلا بإعلامه المنحاز لأهدافه الشريرة، وليس لهم من موقف جدي سوى السخرية من صواريخ المقاومة وأسلحتها، واعتبارها ألعاباً نارية، بل وصل الأمر إلى تبرئة العدو، وتحميل المقاومة مسؤولية سقوط الشهداء والجرحى الفلسطينيين! لذا، سأثبت لهم فشل العدوان، من خلال إعلامه ومن باب «وشهد شاهد من أهلها»، فعلى مستوى الميدان عرضت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية الخسائر البشرية والمادية للعدو الإسرائيلي بعد 29 يوماً من إعلان الحرب، وهي كالآتي:

ـ عدد القتلى 64 من الإرهابيين (الجنود والضباط) 4 من المستوطنين.
ـ عدد الجرحى 1620 من الإرهابيين (الجنود والضباط)، 684 من المستوطنين.
ـ وتم تدمير 32 نفقاً للمقاومة، مع أن هناك آلافاً من الأنفاق باقية وتمدد.
ـ أطلقت المقاومة 3245 صاروخاً على المستوطنات، وقد تصدَّت القبة الحديدية لـ 558 صاروخاً منها، وبهذا تكون كفاءة عمل القبة الأسطورية لا يتجاوز 17 في المائة، وهذا ما يكذب إعلام العدو، أنها صدت 90 في المائة من الصواريخ.
ـ تكلفة صد صواريخ المقاومة بلغت 35 مليون دولار.
ـ أطلق العدو 700 صاروخ، سعر الواحد منها «تامير» 50 ألف دولار (نقلاً عن موقع «الميادين» 11 أغسطس 2014)، ما دفع الكونغرس الأميركي إلى إقرار معونة للعدو بملايين الدولارات لتغطية العجز.

وبعد كل هذه الخسائر، رجعت المقاومة أقوى من السابق، لأنها أصبحت تحظى بتأييد شعبي وتلاحم وطني فلسطيني غير مسبوق، فقد ألقى المتحدث باسم «حماس» مشير المصري كلمة بين آلاف الجماهير، حيا فيها معظم فصائل المقاومة، بما فيها كتائب أبوعلي مصطفى، التابعة للجبهة الشعبية ذات التوجه اليساري الماركسي، وهذا ما يشير إلى رغبة لدى المقاومة في توحيد صفوفها، ما سيزيد من حنق الاحتلال، الذي لم يحتمل التصالح بين السلطة الفلسطينية و«حماس».

أما على المستوى العالمي، فحملة الغضب والمقاطعة تلف الحبل حول عنق إسرائيل، التي لطالما كانت تصور نفسها للغرب بأنها «الدولة الوحيدة والفريدة في المنطقة العربية بديمقراطيتها ومدنيتها»، والآن، سقط قناعها أمام العالم كله، وانكشف وجهها الإجرامي القبيح، وبدأت حملات التضامن مع القضية الفلسطينية.. ففي بريطانيا، مثلاً، تعلو الأصوات المطالبة بالتخلي عن دعم إسرائيل ومقاطعة منتجاتها، وقد تقدَّمت وزيرة الخارجية سعيدة وارسي باستقالتها من الحكومة البريطانية، احتجاجاً على دعمها لإسرائيل.

هذه صحوة ضمير نفتقدها في عالمنا العربي، فلم نسمع حتى الآن أن قيادياً عربياً استقال من الحكومة التي تسمح لسفارات العدو ومكاتبه التجارية بالعمل على أراضيها، أو من التي تساهم بحصار غزة عبر إغلاق المعبر، فهل ماتت ضمائرهم وعروبتهم؟!

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة

على المرء من وقع الحسام المهند

وفي لندن، مثلاً، تم منع استضافة مهرجان «الفيلم اليهودي» من قِبل إدارة المسرح، بسبب تدخل السفارة الإسرائيلية برعايته، فضلا عن التظاهرات الحاشدة التي تجوب شوارع نيويورك ولندن وأوروبا وأميركا اللاتينية، تشارك فيها شرائح مختلفة من المجتمعات. ففي هولندا، حوصرت السفارة الإسرائيلية، وطالبت نقابات العمال في جنوب أفريقيا بطرد السفير الإسرائيلي، وهناك دعوة للمقاطعة الاقتصادية تزعمها الرئيس البوليفي، وتشتمل على التزام النقابات العمالية في الدول الموقعة على عدم استقبال السفن الإسرائيلية، وعدم إنزال بضائعها في الموانئ، والمقاطعة طالت حتى الشركات التي تدعم إسرائيل، مثل شركة «ستار بوكس» للمقاهي، التي تضررت من الحملة، وأصدرت بياناً حاولت فيه التملص من علاقتها بالعدو الإسرائيلي، وأيضاً هناك موقف الكنسية «المشيخية» البروستانتية في أميركا، التي سحبت استثماراتها التي تقدر بـ 21 مليون دولار من الشركات الأميركية التي تعمل في المستوطنات الإسرائيلية (السفير اللبنانية، يوليو 2014)، لكن صحيح أين الدور التركي من المقاطعة؟ فأردوغان الإسلامي يرتبط بحركة حماس، عضوياً وأيديولوجياً، لا محل له من الاعراب، وخاصة أن لتركيا علاقات اقتصادية واتفاقيات عسكرية مع إسرائيل لم يسع أردوغان طيلة حكمه الطويل إلى إلغائها أو تعطيلها، بل ازدهرت في عهده الميمون، لتصل إلى 2.5 مليار دولار في سنة 2012. يبدو أنه اكتفى بالنضال الخطابي وقوافل الإغاثة.

لذا، يجب أن تكون الخطوة القادمة بعد المقاومة والمقاطعة هي المحاكمة، لمطاردة المجرمين الصهاينة قضائياً، عبر المحكمة الجنائية الدولية، بعد أن يتم التوقيع على ميثاق روما من قِبل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وحتى لا تذهب دماء الأطفال والنساء والشيوخ والشباب في غزة هدراً من دون حساب.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *