الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : إصلاح الدولة الوطنية أجدى من الخراب

ماجد الشيخ : إصلاح الدولة الوطنية أجدى من الخراب

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

إذا كانت الطبيعة لا تقبل الفراغ، كذلك الدولة لا تقبل الفراغ، ولاسيما حين يؤدي إلى سيطرة «فراغ لادولتي» وهيمنة قواه العابثة على الدولة. وهكذا من الدولة الوطنية إلى الدولة الطائفية، إلى الدولة الهلام، غير المحددة وغير المعرفة سياسيا وجغرافيا وحتى هوياتيا، أصبحت بلادنا تنتقل من طور إلى طور، من بنى الدولة إلى بنى لا علاقة لها بأي دولة، ومن مؤسسات لها طابع وسمات الدولة، إلى أشباه مؤسسات خيرية أهلية، ميليشياوية الطابع، تستغلها نخب من داخل الدولة لصالحها، ولصالح استراتيجيات لادولتية محلية وإقليمية ودولية.

هذه الاستراتيجيات القاتلة ساهمت في نشر عوامل تفكك الدولة وانحطاطها، ومهدت لانتقالها من المجال الوطني إلى المجالات الطائفية، ومنها إلى المجالات الميليشياوية والعصابات، من كل نوع، حتى غدت الدولة نهباً لأمثال تلك العصابات الأهلية والعائلية، ومن بقايا الطوائف والمذاهب التي شكلت وبرضاها أن تكون معولا للهدم، هدم الدولة وبناها السياسية والاجتماعية، ونهب مواردها الاقتصادية، بإسناد وإشراف من وضع إقليمي ودولي، بدا ويبدو لا مباليا بما يجري اليوم في كل من العراق وسوريا، وما يحيطهما ويجاورهما من أفنية، مع كل ما تحمله الصراعات المحلية الداخلية من أخطار لن تكون تأثيراتها جانبية أو هامشية، بقدر ما هي أساسية ورئيسة، يمكنها أن تنتج أو تؤسس لمعطيات وضع جديد، من سماته الأساس تلك الفوضى التدميرية التي يراد إحداثها على أنقاض الدولة المدنية الوطنية الحديثة، والتي على علاتها وعللها تبقى أكثر تقدما وحداثة من دول الطوائف والمذاهب، وما يجري رسمه في الغد من دويلات خليفية أو أميرية أو دويلات الولاة والجباة، وسلطنات العناصر العشائرية، التي يتم الاستعانة بها لترسيخ هيمنة الدولة الخليفية..

هذا ما يجري عادة حين تتحوَّل الطائفة إلى دولة، أو حين تتماهى الدولة مع الطائفة، ما ينتج دولة مذهبية، أصبحت تتطلع إلى حماية وإسناد ميليشيانها وأتباعها في الخارج، كاحتياط لها ولحماية دولتها ومشروعها وطموحها الإقليمي أو الإمبراطوري، وهذا ما تحقق لإيران مع ولاية الفقيه، كخليفة للمذهب الشيعي، وهذا ما يراد لدولة «الخلافة الداعشية» أن تكونه، كممثلة للمذهب السني، مع ما تجره ظواهر من هذا القبيل من حروب أهلية وفتن مجنونة، قد لا تبقي ولا تذر، في غياب العقل الراشد الولي بنفسه عن نفسه، لا عن «الأمة» المسجونة في قمقم استبداد وحكم وتحكم الولاية أو الخلافة، اللتين ليس لسلطانهما وسلطاتهما من حدود.

لقد باتت الدولة الوطنية هي المشروع الوطني الوحيد القابل للإصلاح، الأمر الذي يحتم استعادتها من خاطفيها، ومن مزوري تاريخها وإرادة مجتمعها التواق إلى الحرية والكرامة، والعيش في ظل سيادة القانون والمساواة واحترام مواطنية المواطن، كونه مواطنا حرا، لا واحدا من أتباع «الرعاة الطوائفيين» وميليشياتهم القائمة على تنفيذ مشاريع خارجية، ترعاها الدولة الطائفية، وتتوزع مسؤولياتها على أتباع لها داخل الحدود وخارجها. وما هذا التداخل الطوائفي وحتى العشائري في كل من العراق وسوريا، سوى المعين والوعاء والمجال الذي تردت وانحطت فيه الدولة الوطنية ومشروعها الوطني الجامع والمشترك، بفعل طغيان واستبدادية نظاميهما، قديما وحديثا، الأمر الذي أتاح لدواعشيي الحروب والفتن الأهلية والمذهبية، أن يتصدروا واجهة المشهد السياسي في بلادنا، المكتوية بنيران الحرائق، وما خلفته وتخلفه من ركامات وطبقات الخرائب.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *