الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : فقرة مسرحية

محمد جاد : فقرة مسرحية

محمد جاد
محمد جاد

في عُرف تاريخ الفشل، تنتج بعض المظاهر الأكثر إثارة للغثيان، ويمثل الفاشلون أدوارهم في براعة مذهلة، من حيث الاقتناع بأدوارهم، ومحاولة بث هذه القناعة إلى الآخرين.

ومن هنا، كان آخر هؤلاء النجوم الذين طالعونا، هو اليد الأمنية الضاربة للمخلوع مبارك ونظامه، الذي يبدو أنه يستعيد صورته البرّاقة الآن.. وزير داخلية المخلوع وقف أمام المحاكمة الكاريكاتورية المنصوبة للنظام السابق ورجاله، وقف الرجل ليُعدد محاسن النظام، وكيف أنه حافظ على الدولة وشعبها ــ الشعب كلمة مجردة في عُرف هؤلاء – واستنتج في نهاية كلمته التي استمرت ساعات طويلة إلى أن ما يُسمى بـ«الثورة»، ما هي إلا مؤامرة خارجية على استقرار الدولة وإرادتها.

ما فعله النجم المزعوم كان مجرد بروفة خائبة لصعود النجم الأكبر (المخلوع نفسه)، فوزير الداخلية كان ممثلا لدور ثان في مسرحية القرن الهزلية، صعد فقط، ليضبط الجماهير على إيقاع مرسوم، ويُهيئ المسرح لاستقبال نجم الفرقة، ليصعد بدوره ويبدأ في منولوج طويل ينتمي لمآسي اليونان عن القدر ولعناته، مقابل بصيرة البطل الدرامي، والذي كان من المُحتم سقوطة، حتى تكتمل المسرحية.
المخلوع يخلط ما بين الدراما والواقع، لذا جاء الأمر أشبه بحالة من الهزل وتبادل النكات السخيفة، عندما يُترك لممثلين متوسطي الموهبة حرية الارتجال في المشاهد الكوميدية التافهة، حتى يمضي الوقت في سلام، وتخرج الجماهير، وكأن شيئاً لم يكن.

والشيء الذي كأنه لم يكن هنا، هو أن الجميع ممن حضروا على أرض الواقع أصبحوا يتشككون في الفعل نفسه، هو ثورة 25 يناير، التي يريد الجميع الآن، من نظام قديم، ونظام جديد مُستنسخ عنه، أن يجعلوها وهماً مرّ في عقول البعض، كحالة أهل الكهف، ما هو إلا وهم اتفقت جماعة على حدوثه، أما الواقع، فينفي ما حدث في كل لحظة.

هنا يتم تواصل الجمهور الهزلي مع نجوم الأقفاص الحديدية، لينقلب الأمر ويصبحون (هُم) الذين يُشاهدون الشعب ويتسلون بالفُرجَة عليه من خلف هذه القضبان، فهذه السياجات كانت موجودة بالفعل حول مبارك ورجاله، كانت غير مرئية ــ في عزلة من أمرهم ــ أما الآن.. فأصبحت الدولة بالكامل هي مكان المسرح الفعلي لأفعال تثير الضحك، وما الفئة الضالة (مبارك ورفاقه) إلا الجمهور الوحيد، الذي يتلوى ألماً من شدة الضحك.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *