الرئيسية » آخر الأخبار » سحب الجنسية وهيبة الدولة.. يا لها من مفارقة بائسة!

سحب الجنسية وهيبة الدولة.. يا لها من مفارقة بائسة!

سحب الجنسية قرار صادر من أعلى هيئة تنفيذية وليس إجراءً إدارياً
سحب الجنسية قرار صادر من أعلى هيئة تنفيذية وليس إجراءً إدارياً

كتب محرر الشؤون المحلية:
لا نريد الدخول من باب الجدل القانوني والتوهان في أروقة المواد القانونية، فموضوع سحب الجنسيات عند بعض المواطنين، وما واكبه من حملة إعلامية ذات اجتهاد ما، أو تصريحات لبعض المسؤولين المعنين تجاه هذا الأمر، يرتكز على خلفية سياسية، وليس إجراء إداريا اعتياديا.. مرات عديدة ومنذ شهور صدرت في الجريدة الرسمية قرارات أو مراسيم بسحب جنسيات عدد من المواطنين، ولم يكن هناك أي اكتراث أو توقف تجاهها، عدا الخبر الذي تم الحصول عليه من الجريدة الرسمية.. أما الحالة التي نمر بها حاليا، فمضامينها أبعد بكثير من إجراء إداري تتخذه إدارة الجنسية، فهو قرار سياسي بامتياز، ويصدر من أعلى سلطة تنفيذية، ممثلة بمجلس الوزراء، وغدت العملية نوعا من الوجبات التي لا تفصل بينها إلا أيام تضاف إليها الأخبار الصحافية من هنا وهناك، فضلا عما يتم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي، بأن هناك وجبات قادمة سيُنظر في ملفاتها في القادم من الأيام.

عقاب جماعي

نقول إن مَن يتولى هذا الأمر وإصدار هذا القرار ليس وزارة بحالها، بل السلطة التنفيذية العليا التي تتخذه بما يشبه العقاب الجماعي على الأفراد ومَن يتبعونهم بحكم الجنسية من أولاد أو أخوات وغيرهم.. فالعقوبة إن اعتبرناها ذلك، فهي عقوبة جماعية على الأُسر.

بداية، هذا الأمر لم يكن مألوفا بالكويت على مدى عقود، مهما اشتدت حدة الأحداث، ممثلة بالنكوص على الدستور أو التعدي على الحريات العامة.. لم يصل الأمر إلى نزع المواطنة عن أحد ما، ولم يكن هذا الأسلوب جارياً طوال عقود.. وكما قلنا، يأتي هذا الإجراء من أعلى سلطة تنفيذية، والمفترض بها أن تراعي التعهدات التي قطعتها على نفسها دوليا، كما عليها أن تراعي أيضا القوانين التي أقرَّتها هي ذاتها.

العهد الدولي

تستند الجهة التنفيذية إلى القانون الذي صدر عام 1959، أي قبل الاستقلال، وقبل صياغة الدستور، وهي السلطة ذاتها التي أصدرت بعد عقود القانون رقم 1996/11، وهو القانون المتعلق بالعهد الدولي بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وبموجب القانون الصادر، فقد ضمنت الكويت صك الانضمام لهذا العهد، وأودعته لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة، مع تعهدها التام بتنفيذ كافة الالتزامات والتدابير المترتبة على مواد هذا العهد، كما يمثل انضمام الكويت «التوجه الأصيل لدى دولة الكويت، أميراً وحكومة وشعباً، نحو صيانة المقومات الأساسية لحقوق الإنسان كافة، أيا كان دينه أو أصله أو عرقه»، وهذا ما ورد في صحيفة الإيداع عند التزام الكويت بالعهد الدولي وصدور هذا الالتزام بقانون محلي تلتزم به بالمواد المبينة بالعهد.. وتأتي ديباجة العهد الدولي الذي صدر نهاية عام 1966 على النحو التالي:

«إن الدول الأطراف في هذا العهد، إذ ترى أن الإقرار بما لجميع أعضاء الأسرة البشرية من كرامة أصيلة فيهم ومن حقوق متساوية وثابتة يشكل وفقا للمبادئ المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة أساس الحرية والعدل والسلام في العالم. وإذ تقر بأن هذه الحقوق تنبثق من كرامة الإنسان الأصيلة فيه، وإذ تدرك أن السبيل الوحيد لتحقيق المثل الأعلى المتمثل وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان في أن يكون البشر أحراراً ومتحررين من الخوف والفاقة هو سبيل تهيئة الظروف الضرورية، لتمكين كل إنسان من التمتع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك بحقوقه المدنية والسياسية. وإذ تضع في اعتبارها ما على الدول بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة من التزام بتعزيز الاحترام والمراعاة العالميين لحقوق الإنسان وحرياته، وإذ تدرك أن على الفرد الذي تترتب عليه واجبات إزاء الأفراد الآخرين وإزاء الجماعة التي ينتمي إليها مسؤولية السعي إلى تعزيز ومراعاة الحقوق المعترف بها في هذا العهد».

فلسفة إنسانية

إن ديباجة العهد ليست إضافة تجميلية أو فقرة يمكن عدم الالتفات لها، أو لها فقط الطابع الشكلي، بل تعبّر عن الفلسفة الإنسانية لهذا العهد، لتأتي المواد التي لحقت هذه الديباجة مكملة لها ومفسرة لجوانب رسالتها الإنسانية.

وبذا، نجد أن السلطة التنفيذية قد أخلَّت بهذا التعهد، كما تجاوزت القانون الذي أصدرته، بإجراءاتها الأخيرة، بنزع المواطنة عن مواطنين، بذرائع لا تغلب في إيجادها بعيداً عن تعهداتها الدولية والمحلية من دون أن يكون هناك حق للاعتراض أو الشكوى من قِبل مَن سُحبت جنسياتهم.

بطش وتعسف

مهرّب المخدرات الذي يسمم المجتمع ويلقي بضحاياه من مدمنين أو موتى بجرعات زائدة تتوافر له الضمانات القانونية المكتملة بالدفاع عن نفسه أمام الدرجات القضائية الثلاث حتى يجازى بالحكم النهائي.. واسألوا أولياء الأمور الذين وجدوا أبناءهم ضحية لتغرير مهربي المخدرات ماذا حلّ بهم بعد فقدان لأبنائهم وهم في عز الشباب، من جراء تعاطي الجرعات الزائدة.. مثل هؤلاء المجرمين تتوافر لهم كامل أدوات التقاضي والدفاع عن أنفسهم، على الرغم من شناعة جرمهم.. أما مَن تم إسقاط حق المواطنة عنه.. نكرر حق وليس منة أو دَينا مستحقا عليه، يُحرم من تلك الإجراءات هو وأفراد أسرته بالتبعية، من جراء رأي سياسي أو موقف ما من دون حق الدفاع عن نفسه أو التقاضي أمام سلطة محايدة ممثلة بالدائرة القضائية أو غيرها من السبل.. هل يوجد بطش أكثر من ذلك أو تسلط وتعسف على هذا النحو؟!

هيبة الدولة

نفهم تماماً أنه في حال تجاوز القانون أو التعدي، كتابة أو لفظاً، بوسيلة إعلامية ما، أن يتم تقديم دعوى جنحة ضد مَن قام بذلك، ليفصل القضاء بالشكوى.. هذا أمر طبيعي.. أما أن تُنزع الجنسية، مراعاة للمصلحة العامة، وهي تعبيرات سائبة وزئبقية يرفعها مَن يريد أن يبطش، لتكون له عنوانا يتغطى به.. ويتعالى صوت المنافقين وذوي المصالح الخاصة بالتصفيق لمثل هذا الإجراءات والتبشير بإعادة الهيبة للدولة، فهذه مفارقة بائسة! فهيبة الدولة لا تُكتسب بسحب أو نزع المواطنة، هيبة الدولة تنبع من أدائها لصالح جميع المواطنين.. هيبتها هي إنجازاتها التنموية، آنيا ومستقبلا.. هيبة الدولة تتلاشى إن خالفت تعهداتها وداست على قوانينها، بحيث تصل الأمور إلى توفير كافة الضمانات والحقوق القضائية لمروجي المخدرات، وتُغلق أمام صاحب رأي أو اتجاه معارض لإجراءات الحكومة.. وإذا غاب العدل عن القانون، فلا يعد قانونا، فلم توضع القوانين إلا لترسيخ وتكريس العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *