الرئيسية » ثقافة » ضمن عروض «استديو الأربعاء»: «أحلام» كوروساوا.. من لعنة الأساطير حتى اللعنة الذرية

ضمن عروض «استديو الأربعاء»: «أحلام» كوروساوا.. من لعنة الأساطير حتى اللعنة الذرية

ملصق الفيلم
ملصق الفيلم

كتب محمد عبدالرحيم:
ضمن أنشطة نادي الكويت للسينما، عرض «استديو الأربعاء» فيلم «أحلام» – إنتاج 1990 – لمخرج اليابان الأشهر أكيرا كوروساوا، الذي أنجزه قبل وفاته بأعوام عدة. وإذا كانت شهرة كوروساوا التي تخطت حدود اليابان بدأت بفيلمه «راشومون1954»، الذي نال عنه جائزة الأوسكار، ثم توالت أفلامه الشهيرة التي تناولت التاريخ الياباني والأساطير الشعبية والاجتماعية في شكل واقعي تماماً، نجد أن فيلمه «أحلام» هو استعادة لتراث وأساطير اليابان برؤية ذاتية للمخرج، في شكل سوريالي، لكنه أكثر انتقاداً للواقع الياباني من معظم أفلام كوروساوا الواقعية.

كوابيس

تتنوَّع أحلام كرورساوا من طفولة حتى الشيخوخة، وكلها تتصف بجو خانق، ينتهي بالموت، وإن كان بصورة معنوية، لتصبح حالة أعمّ وأشمل، فالأمر أشبه بالكوابيس أكثر من مجرَّد أحلام، ففي الحلم الأول على سبيل المثال المعنون بـ «بزوغ الشمس تحت المطر» نجد الطفل الصغير، الذي تمنعه أمه محذرة من الخروج في هذا التوقيت، لأنه وفق الأسطورة القديمة، هو ميعاد تزاوج الثعالب، إلا أن رغبة الاكتشاف تجعل الطفل يخالف التعاليم، ويعود هارباً إلى أمه، بعد اكتشاف أمره، لكنها تعطيه خنجراً ليقتل به نفسه عقاباً له، فانتهاء وموت مرحلة الطفولة حتمي لا محالة، لتقدم حالة الوعي، وعلى مَن يفعل ذلك أن يعيش بعدها مستعداً للموت في أي لحظة، وقد ربط كوروساوا هنا المعرفة بالموت في أول احلامه.

والحلم الثالث عن العاصفة الثلجية والمتسلقين الأربعة الذين يُصارعونها، وبعد جهد كبير، يرفض ثلاثة منهم المواصلة، وطاعة أوامر رابعهم ــ القائد ــ وينامون، فيحاول إيقاظهم بشتى الطرق من دون جدوى، فيبدأ بالاستسلام بدوره، ليدخل «عنصر» أسطوري يحاول تنويم القائد، ليصبح مثل رفاقه، ويتوقف الحلم عند التساؤل.. هل سيستسلم تماماً، أم يواصل بمفرده؟!

النفق

الحلم الرابع، المعنون بـ «النفق»، من أكثر الأحلام قسوة وشاعرية، كابوساً بكل مفرداته.. ويسرد حكاية قائد بعد الحرب، يسير في طريق وعر، ويدخل في نفق مظلم طويل، وكأنه لا ينتهي، وبعد جهد في الخروج، يجد جنديا يخرج خلفه، أشبه بالميت، ويتحدث عن منزله ووالديه اللذين في انتظاره، لكن القائد يخبره بأنه -الجندي – مات منذ وقت، وعليه الرجوع إلى عالم الموتى، فيعود، ليخرج بعد ذلك ومعه كتيبة كامله على شاكلته، ترفض الاعتراف بالموت. فهل القائد الذي غافله الموت بالمصادفة هو الذي على قيد الحياة واقعياً، أم أن جنوده في الحرب/الموتى، هم الأحياء بالفعل؟

المستقبل

أما العصر الحديث والمُستقبل، فتناولهما كوروساوا في حِلمَيه السادس والسابع، حيث انفجارات جبل»فوجي»، بسبب معامل الطاقة النووية، وانتهاء سكان المدينة في المحيط، فقط.. عالم نووي وامرأة وطفلان يظلون في المكان، ليدور التساؤل أيضاً.. هل سيهربون أم يموتون بالإشعاع النووي؟

هذا في ما يخص الواقع المُحتمل، أما المستقبل فأكثر رعباً، حيث نرى المسوخ التي كانت تنتمي في السابق لبني الإنسان، وقد تشوهت بفعل الانفجارات النووية، وصار لها قرون، يتم تعذيبها من خلال هذه القرون النابتة في رؤوسهم، يطلبون الموت كل ليلة، لكن من دون جدوى.

الحكمة

حلم الحكمة.. وهو الحلم الأخير، الذي يختتم به كوروساوا فيلمه، يحكي عن رجل تجاوز المائة عام، يجلس في مكان تحيطه الطواحين والأشجار والطبيعة الرائعة، ليسأله شاب عن سر بقاء هذا المكان، بعيداً عن مظاهر التطور، فيجيب العجوز بأن الليل لا يُفترض أن يكون منوراً كالصباح، وأنه يكره الكهرباء، التي لا تجعله يرى النجوم، ويؤصل رأيه في العلم.. فإن كان العلماء يبحثون عن راحة الإنسان، إلا أنهم لا يبحثون عن سعادته.

البنية

من خلال 8 أحلام يسرد كوروساوا فيلمه، كل حلم منفصل عن الآخر، في شكل حكاية متكاملة، إلا أن ما يربط هذه الأحلام هو الجو المأسوي، واللعنة التي تحيط بكل شيء، بداية من الطفل الملعون، لأنه كسر ناموس الأسطورة، فلم يعد له الخيار سوى في قتل نفسه، إضافة إلى الجنود القتلى وخروجهم وعدم تصديقهم أنهم أموات، حتى فان جوخ – قام بالدور مارتن سكورسيزي – ورسوماته، التي تنتهي بالبطل يسير وسط لوحة الغربان الشهيرة، وصولاً إلى العصر الذري، وما فعلته الحضارة بالإنسان، الذي أصبح أكثر وحدة وكآبة. فكل حكاية تبدأ وكأنها حلم – على المستوى النفسي – وتنتهي بكابوس، هناك لعنة كامنة في الأشياء والتفاصيل، وعبر إيقاع تأملي، يبدأ الحلم وينتهي، فالأمر أشبه برؤية أكثر منه حلماً، حتى لو كان في شكل إعادة صياغة الحلم وفق رؤية ذاتية انتقادية، وهو الأمر الذي أدَّى إلى المزج بين السوريالي والواقعي.. السوريالي في تكوين الصورة ومفرداتها، وحركة الممثل والأداء، والواقعي في الحكاية نفسها، الضاربة بعمق في جذور اللاوعي الجمعي لمجتمع اليابان، والتي تقابل بلاوعي حاد من قِبل المخرج نفسه، ليتنفس هذا الرعب منذ طفولته (الحلم الأول)، وحتى وقوفه حائراً من حال الإنسان الذي ظن أن التقدم سينقذه من تعاسته، فالبنية الدائرية المغلقة هي التي اتخذها المخرج شكلاً لسرد الأحداث، التي تبدأ بطفل يتم اختباره وفق تعاليم النواهي، ثم شاب يبحث عن الرغبة، ورجل في شك وتساؤل مما يحدث حوله، وأخيراً عجوز لديه من الحكمة ما يعود به إلى حالة البدائية الأولى، قبل مظاهر التقدم التي حطمت الإنسان.

هذه البنية نفسها نكتشفها مع الزمن، بخلاف أزمنة الشخصيات، فهناك زمن يتطور – زمن اجتماعي وتاريخي – كحالة الحديث عن الحرب، وحالة الإشعاع النووي، وبينها تجربة كرورساوا نفسه، كفنان تشكيلي بالأساس، واللجوء إلى حالة فان جوخ، للبحث عن مفرداته وعالمه، الذي يشبه عالم الحلم لدى كوروساوا.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *