الرئيسية » عربي ودولي » الحرب الإسرائيلية على غزة.. بين المشاهد والمزايدات

الحرب الإسرائيلية على غزة.. بين المشاهد والمزايدات

وحشية إسرائل لم تكسر صمود الشعب الفلسطيني والتفافه حول المقاومة
وحشية إسرائل لم تكسر صمود الشعب الفلسطيني والتفافه حول المقاومة

محمد الغربللي:
المشهد كما هو واضح للجميع، عربيا وعالميا على حد سواء، هو أن إسرائيل تشن هجوما وحشيا على غزة، وسلاحها المدمر لا يستثني الأطفال أو النساء أو المدنيين عامة، بل يتباهى جنودها، وفق ما أظهرته بعض الأفلام، بتصويباتهم الدقيقة نحو منارة أحد المساجد في غزة القريبة من الحدود الفاصلة وهدمها وسط تصفيق الجنود المراقبين للقصف على هذه الدقة وضحكات من قام بإطلاق القذيفة.. نوع من التسلية المحملة بالبطش والاستعلاء المسنود من أميركا وبعض الدول الغربية، فما تقوم به إسرائيل يُعد مبرراً، ولا يستدعي الالتفات له، أو اعتباره غير إنساني .. مشهد توالى طوال ما يقارب الشهر الكامل.. قصف متواصل بجميع الأسلحة والنظم الجوية والبحرية والبرية، حتى اكتظت مستشفيات غزة بالشهداء بأعمار مختلفة من الجنين في بطن أمه الشهيدة حتى كبار السن.. ولم تستطع ثلاجات الموتى استيعاب الشهداء، فاستخدمت ثلاجات المأكولات المبردة.

صمود الشعب والمقاومة

المشهد الثاني صمود وبطولة أهل غزة.. المقاتلون الذين ضربوا اروع الامثلة في الصمود والبطولة ضد العدوان الصهيوني ووصلوا في تصديهم إلى تل أبيب، ما أدَّى إلى تعطل الملاحة الجوية في مطارها، مغادرة أو عودة.. وأيضا هي بطولة الشعب الفلسطيني في غزة.. فعلى الرغم من الدمار والقتل والتشريد، فإنهم ما زالوا مصرين على المقاومة، محتضنين لها غير مكترثين لما أصابهم من أضرار أو فقدان لذويهم.. فالكرامة والحياة الإنسانية تستحقان هذا الاحتضان وهذا التأييد.. وطوال أيام الحرب حاولت إسرائيل بالتدمير المنهجي للمنازل والمزارع والمصانع والمساجد وحتى المستشفيات أن تخلق ردة فعل سلبية لدى سكان قطاع غزة، بأن ينفروا من المقاومة الفلسطينية ويطالبوها بإيقاف إطلاق الصواريخ والعيش بسلام.. نوع من تفكيك الاحتضان الشعبي مع المقاومة، إلا أن ردة فعل الشعب الفلسطيني أتت عكس ذلك تماماً، فزاد التلاحم الشعبي مع المقاومة، بل انتقل الأمر لأبعد من ذلك، بالتظاهرات الشعبية المستمرة في الضفة الغربية، على الرغم من بطش القوة الأمنية للسلطة الفلسطينية التي تجاوزتها الأحداث، فالبطولة والتضحيات تخلقان دافعا جديدا في محيطيهما أو المناطق ذات الامتداد.

الصمت العربي الرسمي

المشهد الآخر، هو هذا الصمت العربي الرسمي تجاه العدوان الإسرائيلي.. صمت انعكس تماماً في موقف الجامعة العربية، حضن العرب كما يُقال، والتي بدورها ترجمت هذا الصمت بنوع من الصمم والخرس في الوقت ذاته، بل إن الأمر تجاوز حتى الصمت، فنجد في عدد من الفضائيات العربية ما يبرر هذا العدوان ضد «حماس»، وكأن الرضيع منتمٍ لـ«حماس» أو للجهاد أو للجبهة الشعبية! فما دام «الراعي» يريد الصمت، فما على «الرعية الإعلامية» إلا طاعته، بل المزايدة عليه، لتصبح ملكية أكثر من الملك وتهاجم «حماس»، سواء على الشاشات أو من قِبل بعض الكتابات الخائبة في أكثر من بلد عربي ومنها الكويت أيضا.. نوع من الصلافة التي تُظهر الانحطاط الإنساني والأخلاقي أمام ما يجري من مشاهد مؤلمة في غزة.

ادعاءات وتزوير

وعند السؤال أو التحدث مع أحد المسؤولين حول هذا الصمت المتواصل يقول «لا يمكن المزايدة على بلده في القضية الفلسطينية، فقد قدمت من أجلها مائة ألف شهيد»!

وقد تناول هذا الموضوع الكاتب المصري فهمى هويدي ونشر في الصحيفة المصرية «الشروق»، منتقداً هذا الادعاء الرقمي، عندما بيَّن بالأرقام من واقع مراجع رسمية، أن عدد الشهداء منذ حرب 1948 حتى عام 73 بلغ 19161 شهيدا، مضيفاً بأن الحرب الوحيدة التي دخلت فيها بلده في مواجهة مع إسرائيل كانت حرب 1948، بموجب قرار الجامعة العربية والاستنفار الموحد لمواجهة تقسيم فلسطين.. أما بقية الحروب (56، 67، 73)، فهي حروب تحرير لبلده، وليست لتحرير فلسطين، وبيَّن أن لا أعداد الشهداء صحيح، ولا عنوان التضحية صحيح أيضا.
في الأسبوع الماضي خرج أحد الصامتين، معلنا أيضا في حديث له عن وجوب عدم المزايدة على موقف بلاده تجاه القضية الفلسطينية، ويبدو أن كلمة المزايدة «استحلوها على لسانهم»، وهي مفردة تعني الهجوم على المواقف، أو كما قيل أحسن طريقة للدفاع هي الهجوم.

صمت وخنوع

هنا لا يمكن إغفال أي دور عربي قدم في الماضي تضحيات ووقف بشهامة تجاه القضية الفلسطينية، ولكننا نحن أبناء اليوم، كما يُقال، وما هذا الصمت العربي الذي ساد طوال ما يقارب الشهر من الحرب الضارية والعدوانية إلا دليل خنوع، بحيث أي طرف آخر يستطيع المزايدة حتى بالكلام وليس بالفعل الحقيقي.
لم يمنعكم أحد من تقديم العون، ولم يمنعكم أحد من تنظيم التظاهرات المنددة، كما جرى في بقية دول العالم، من أميركا وحتى آسيا، كما لم يمنعكم أحد من فتح المعابر، بل كانت هناك تصريحات من مسؤولين لديكم في خضم الحرب الشرسة أن الجهات الرسمية العسكرية قامت بإغلاق معابر بين القطاع وبينها.. في حين هناك دول على بُعد آلاف الأميال عن غزة قطعت علاقتها مع إسرائيل، مثل بوليفيا، ووصفتها بالدولة الإرهابية.

لم يمنعكم أحد من استدعاء سفرائكم هناك، كما لم يمنعكم أحد من التنادي لعقد قمة عربية طارئة تجاه ما يجري من قتل وتشريد.. في عام 1964 قام الزعيم جمال عبدالناصر بالدعوة لعقد قمة عربية، وكانت الأولى وقتها، ودعيت إليها جميع القيادات العربية، على الرغم من وجود خلافات بين بعضها، والدعوة للقمة لم تكن بسبب حرب شنتها إسرائيل على بلد عربي، بل بسبب عزم إسرائيل تغيير مجرى نهر الأردن.

ولكن ما شهدناه اليوم هو الصمت المطبق، فحتى التصريحات التي صدرت من إسرائيل، وبالذات من رئيس وزرائها نتنياهو، التي ذكر فيها تعاونه مع أطراف عربية، واعتبر ذلك مكسباً لإسرائيل، لم يكن له أي رد أو صدى لدى الأنظمة العربية محل الإشارة!

لن يستطيع أحد المزايدة عليكم، لو كانت هناك وقفة ما ضد الاعتداء الإسرائيلي الوحشي على الشعب الفلسطيني في غزة.. المزايدة أن تكون قد اتخذت موقفا، ولو متواضعا، أو خطوة عملية تجاه غزة، ويأتي مَن يزايد على ما قمت به!

لكن المشهد العربي العام يعكس موقفا سلبيا مغلفا بالصمت طيلة أيام المجزرة الإسرائيلية وسط حصار عربي وإسرائيلي.

المزايدة تكون عندما تقدم أموالاً، وهناك مَن يزايد ويقدّم أكثر.. المزايدة عندما تفتح المعابر، وهناك من يقوم بأكثر من ذلك، بإرسال سفن للإغاثة مثلا.. أما موقف بعض الأنظمة في الحرب الأخيرة، فإنها لم تقدم شيئا إطلاقاً، حتى تتم المزايدة على ما قدمته.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *