الرئيسية » فوزية أبل » فوزية أبل : العراق وتعميق الانقسام

فوزية أبل : العراق وتعميق الانقسام

فوزية أبل
فوزية أبل

على الرغم من الصراعات الدامية والحروب الأهلية التي شهدتها أكثر من دولة في هذا الجزء من العالم، فإن الأمر لم يصل إلى حد التفكك والانهيار (مع استثناءات قليلة جداً، أبرزها ما حصل في السودان).

أما الآن، فقد قفزت إلى الواجهة هذه الظاهرة المسماة «داعش»، فانقلبت المفاهيم، واختلت الموازين، وسقطت «أعمدة» المنطق، وصارت جميع التحليلات تتهاوى، والاستنتاجات تتعثر.

لكن الحد الأدنى من المنطق السليم يدفعنا إلى القول إن أخطاء رهيبة قد ارتكبت من جانب المشرفين على الأنظمة السياسية، فجاء من يقطف الثمن، ليضرب ويدمّر مقومات الدولة، وهو ما حصل في العراق بالذات، حيث واظبت إدارة نوري المالكي على الاستئثار بالسلطة، مع تقزيم المؤسسات وشلّ قدراتها، مستفيدة من التوافق الدولي والإقليمي على بقاء هذه الحكومة، على علاّتها.

والأخطر، هو التهميش المقصود لبعض مكونات المجتمع، مثل سنة الأنبار، وبعض الأقليات في المناطق المتنازع عليها مع إقليم كردستان.. إلخ، وهو ما أسهم ليس فقط في تشجيع «هجمة» داعش، وإنما في تأسيس هذا التنظيم أيضاً، فيما أسهمت عوامل أخرى في تحوله إلى «خلافة»!

ولا ننسى الجوانب الإقليمية، وزوال الحدود، والتداخل بين المحلي والخارجي، وانتشار الفكر التكفيري في أنحاء من العالم الإسلامي مع الأسف الشديد.

الآن، حصل تطور في سياق متباين شكلاً، ومتوافق مضموناً، إذ سيطر تنظيم داعش على منابع نفطية في سوريا (محافظة الرقة)، ولم تعد هناك حدود مصانة مع العراق ولا مع تركيا.. ويقال إن هؤلاء المتطرفين راحوا يبيعون النفط السوري خارج البلاد.. في معمعة الصفقات التمويلية للتنظيم، والتي تفاعلت وتشعبت بعد تكريس الهيمنة على منابع ومصادر نفطية عراقية.

وإذا كان إقليم كردستان قد استفاد، لأسابيع معدودة، من هجمات «داعش»، ومن انهيارات السلطة المركزية العراقية، فقام بتوسيع رقعة نفوذه، ميدانياً ونفطياً وحتى دبلوماسياً.. إلا أن الأمور انقلبت رأساً على عقب، عندما بادرت «الدولة الإسلامية» إلى اقتحام مدن وبلدات الأكراد والأقليات المسيحية والأيزيدية وغيرها.. وقد يكون هو السبب الرئيسي لخروج الإدارة الأميركية عن صمتها (وعن تفرّجها على هجمات داعش)، فتهديد كيان كردستان شبه المستقل، والحليف لواشنطن، قد يقلب الموازين الاستراتيجية رأساً على عقب، إضافة إلى التأثير على النفط وما يرتبط به.

وبعيداً عن تشعبات الصراع مع الداعشيين ومن يقف وراءهم، لابد من القول إن بناء أوطان متماسكة وإدارات راسخة، واحترام جميع مكونات المجتمع، هو العامل الرئيسي في الصمود أمام هذا النوع من «الاجتياحات» ومن المؤامرات الهادفة إلى تعميم التفتيت والانقسام.. الأمر الذي يجعل العالم العربي بؤرة للتشتت والضياع.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *