الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : الثعبان والجارية الحسناء

محمد جاد : الثعبان والجارية الحسناء

محمد جاد
محمد جاد

من أفضل حسنات كتاب العرب العظيم «ألف ليلة وليلة»، أنه ينتصر للخيال في مواجهة الواقع، هذا الكتاب مجهول المؤلف، والذي ينتمي إلى لغة الضاد مُصادفة، يعكس بيئة المجتمعات التي طالها الغزو العربي.

أصبح الخيال هنا أخصب مساحة يستطيع عن طريقها العقل التحايل على الواقع، مُصوراً انتصارات لفقراء وعبيد على أغنياء وسادة، وهو حال الشعوب التي ناءت تحت فكرة الدولة القوية التوسعية وقتها -الاستعمارية في لغتنا العصرية -إضافة إلى خلق صيغة للمخلوقات والكائنات، تستطيع من خلالها تشكيل حالة من التكامل والتماهي لم يستطع مؤلّف أدبي أن يحققها، كما فعلتها ليالي «ألف ليلة».

وبما أن الله أعطانا قدرة التقليد من دون الابتكار، فلا مفر من الاسترشاد بالليالي وعالمها.. يُحكى أنه في عصر اكتشاف الفضاء، وأبحاث الذرة، وظهور أفكار ومفاهيم ضبابية، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، جاءت مخلوقات من عصور سالفة، أتاحت لها السباحة عبر التاريخ للوصول إلى عصرنا الموبوء، سلاحها – بخلاف أسلحة العصر التقليدية من مدافع ودبابات وخلافه – أسانيد شفوية وحكايات مروية، لطالما تباهت بها دولة العصر الغابر، من سبي الحِسان من الجواري، إضافة إلى ولدان ليسوا بمخلدين، وإقامة أسواق للسبي والبيع وإعلاء راية سوداء قديمة، حال لونها من كثرة الدماء التي سالت في سبيل إعلائها فوق الرقاب. كل هذا أمام أعيننا، بفضل منجزاتنا الوهمية، من فضائيات وشبكات تواصل اجتماعي.. حالة الفصام تأتي من عدم تصديق أن تاريخ التباهي المزعوم، يُعاد أمامنا الآن في تفاصيل مرئية، من دون السمع عن لفائف تراثية تسبقها (عنعنات) أئمة التزييف والتلفيق. وبينما تقف الجارية الحسناء في صحراء ذعرها، يتفوق صراخ آخر، ظن أنه استراح بعد مواراته الثرى، وإذ بثعبان ليس كثعابين الأرض، ثعبان أقرع ــ وكأن ثعابيننا لها شعر يفوق شعر عروس البحر، يُلقن الفقيد درساً في الأدب والتأدب، بعدما ترك الدنيا وأساء لأهلها. هناك لمحات من الخيال في التصور لا ينكرها أحد. ترك الرعاة الرسميون لحفل الثعبان الأقرع حكايات السبي والقتل، وتوعدوا كل مَن أنكر وجوده بالسجن والنفي من رحمتهم.

الأمر هنا يرجع لعدم احترام الخيال من جانب مُنكري حكايات الثعبان الضال. ولكن بما أنه خيال التقليد، فهو خيال الضحالة، الذي حتى لا يستطيع أن يثير سوى الأسى على العقول التي أنتجته، أكثر من إثارة السخرية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *