الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : داعشيون ضد المشتركات الدينية والإنسانية

ماجد الشيخ : داعشيون ضد المشتركات الدينية والإنسانية

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

ليس هناك الكثير من الفروق والاختلافات ما بين الاستبداد السياسي السلطوي الحاكم، وما بين استبداد ديني، يسعى سعياً حثيثاً، ولو بالقوة الغاشمة والإجرام، للاستيلاء على السلطة، فما بين هذين الاستبدادين عقدة مرضية ليس من السهل التخلص منها، حتى لو فقدت السياسة والسلطة كل مبرراتهما، وذهب التدمير لمقدَّرات الوطن مديات عليا من التذرير والصراعات الطائفية والمذهبية، على ما يحصل اليوم في العراق على سبيل المثال.

الانحطاط الاستبدادي، أي انحطاط قوى الاستبداد القوموي أو الإسلاموي، على متوالياته السلطوية، لا يبشر بانتهاء متواليات أخرى موازية من حروب أهلية عبثية، عابثة بالبلد – الدولة وأهلها، من دون تطلع إلى غد يحفظ الدولة ومجتمعها وشعبها، وهل من بين أسياد الاستبداد والعبودية المفروضة بالقوة، من يهمه أساساً هذه الأقانيم الثلاثة، ولاسيما تلك القوى التي تمسك بالسلطة، واعتبرتها وتعتبرها سلطتها الاستملاكية الخاصة بالعائلة، ومن لف لفها من عائلات، أو من قوى «نهضت» و»تنهض» للاستيلاء على السلطة، باعتبارها غنيمتها «الإلهية»، الغنيمة التي وُعدت بها منذ الأزل!

من هنا، هذه المحرقة البشرية التي يرتكبها «دواعشيو» بلادنا في زماننا هذا. حين جعلوا، ويجعلون، من دولتهم بديلا للدولة وللدولة / الأمة، ومن مجتمعاتنا وشعوبنا، حقول تجارب لشرائع خاصة، بأفراد لا يفقهون من الشريعة سوى كونها العقاب الذي ينزله بشري ببشري آخر، بديلا من «عقاب الله في الآخرة»، وذلك بتبريرات وذرائع ليس من شاهد عقلي عليها، ولا من شواهد فقهية، ولا من أي شاهد، سوى شواهد المرض العضال، الذي ابتلينا به على أيدي من يريدون ابتزازنا باسم المقدس الديني، وجرنا جراً نحو مهاوي وقيعان انحطاط أكثر انحطاطاً مما شهدناه حتى الآن، في عصرنا هذا، عصر «الدواعش» والاستلاب الاغترابي والانحطاط الاستبدادي المتلون بسياسات القمع والإرهاب، سياسات اللاسياسة، البعيدة كل البُعد عن أي مُشترك من مُشتركات القيم والأمم والأخلاقيات والمبادئ التي نثرتها رياح «الدواعش» وذهبت بها نحو قيعان انحطاط أعمق من انحطاطات أنظمة الاستبداد السياسي القوموي والإسلاموي.

 وإذ غاب ويغيب البُعد الحضاري في النظر إلى الدين، فلأن الذين يغيّبون هذا البعد ليسوا رواد حضارة، أو حملة قيم، ويكاد يكون لهم دينهم الخاص، دين لا علاقة له بأي قيمة دينية أو دنيوية، كل ما في الأمر أن القائمين على سلطة الانحطاط الاستبدادي، الذي بدأنا نخبره الآن على امتداد أكثر من دولة، بل وعلى مستوى العالم الذي غزته قواعد الإرهاب منذ مطالع الألفية الثالثة، ليسوا في صدد تقديم أي نموذج حضاري عن الدين الإسلامي، بقدر ما يحطون من قيم من المفترض أنها تنتمي إلى الفضاء الديني، وإذ بها ليست في هذا الوارد بالمطلق.

إنهم ينتحرون أكثر، ويقدمون نماذج عن استلاب واغتراب أكبر، ويؤكدون انحطاطاً أكثر وأعمق، ولا يخلّفون وراءهم أي أثر يمكن الاعتداد به، أو تقييمه في مجال الإيجاب، إنهم يخرجون عن الفطرة التي من المفترض أن يكون الإنسان قد جُبل عليها، كما هم يخرجون عن كل الأطر العقلية والعقلانية، بل هم ينحطون أكثر في مجالات «النقل»، حتى إنهم لم يكونوا أمناء على «التراث النقلي»، بقدر ما شوهوا وناقضوا وخانوا «العقل النقلي»، وقدموه ضحية من ضحايا قائمتها طويلة، أولها الدين نفسه، وليس آخرها الإنسان وقيمه المشتركة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *