الرئيسية » ثقافة » علامات سينمائية (2): «فتاة سوداء» لعثمان سمبين.. تأريخ سينما القارة الأفريقية

علامات سينمائية (2): «فتاة سوداء» لعثمان سمبين.. تأريخ سينما القارة الأفريقية

لقطة من الفيلم
لقطة من الفيلم

كتب محمد عبدالرحيم:
يعد فيلم «فتاة سوداء» أول فيلم روائي يؤرخ به للسينما الأفريقية، وهو من تأليف وإخراج السنغالي عثمان سمبين، وهو عمله الأول بالطبع، وإنتاج مشترك بين السنغال وفرنسا عام 1966، بعد فيلمين روائيين قصيرين «رجل العربة 1963»، و«الحقول 1964». كما فاز «فتاة سوداء» بالجائزة الكبرى في مهرجان قرطاج في دورته الأولى عام 1966.

فكرة سمبين تدور بعد المد التحرري الذي طال القارة السمراء في ستينات القرن الفائت، وسؤاله هل بالفعل تم هذا التحرر بالشكل المرجو، أم أن المسألة أصبحت مُتأصلة أكثر في وعي كل من الطرفين، ونتائجها معروفة سلفاً؟

فالحلم الغربي والسعي خلفه وتصوره وكأنه الجنة يراه سيمبين أنه وهم كبير تركه المُستعمِر خلفه، ليتلهى به أصحاب البلاد المُحرّرَة، أو التي تتوهم أنها نالت حريتها بالفعل.

ملصق الفيلم
ملصق الفيلم

الحكاية

تتناول حياة فتاة فقيرة تعيش في منطقة عشوائية، تضطرها الظروف القاسية للعمل، تجلس في أحد الميادين بين مجموعة من النسوة يعرضن أنفسهن للعمل كخادمات، وتأتي امرأة فرنسية وتأخذها لتعمل على رعاية أطفالها الثلاثة، تنشأ بين الفتاة وشاب قصة حب، لم تجنِ منها سوى بعض اللحظات والصور الفوتوغرافية، التي سترافقها في رحلتها مع سيدتها إلى فرنسا، تفرح الفتاة بهذه الرحلة، لأنها ستشاهد باريس وشوارعها ومحالها وأضواءها التي لا تنطفئ، إلا أن الواقع يناقض أحلامها، لتجد نفسها تقوم بكل أعمال المنزل منذ الصباح وحتى المساء، وكأنها محكوم عليها بعقوبة تقضيها في حجرتها الضيقة. تنتاب الفتاة الكآبة، وصولاً إلى الاكتئاب، وتبدأ في حوارها الداخلي الذي يسرد فخ التناقض الذي وقعت به، لتتمرد على تنفيذ أوامر سيدتها، حتى تأتي لحظة لا تستطيع معها مواصلة الحياة، فلا تجد إلا تقديم روحها قرباناً لحلمها الخائب.

الرموز والإشارات

هل من الممكن تأويل شريط الفيلم (البصري والسمعي) من ناحية الرموز والإشارات التي صاغ منها سمبين عمله الروائي الأول؟ سنحاول، لما تحمله هذه الرموز من دلالات تتناقض من خلالها وتتكشف العلاقة بين المُستعمِر والمُستعمَر.. الموسيقى والأغنيات السنغالية/القناع الخشبي/مقبرة شهداء حرب التحرير/الزي الوطني للفتاة السمراء، في مقابل.. الموسيقى والملابس الفرنسية/إيقاع الحياة في فرنسا، حيث الغرف الضيقة والجدران الخالية سوى من الوجه الخشبي الذي أهدته الفتاة لسيدتها لتعلقه فوق الحائط، هذا القناع الذي أعاده الرجل الفرنسي، عندما انتحرت الفتاة السمراء مع حقيبة ملابسها، التي خبأت بها بعض الصور الفوتوغرافية مع حبيبها الشاب.

فمن مظاهر تمرد الفتاة عندما اكتشفت خسارتها الفادحة، أنها عاشت ذكرياتها مع الشاب، في فلاش باك، وكأنها تسخر من أحلامها، عندما أبلغته أنها ستسافر إلى باريس، وبدأت تمارس مظاهر فرحتها في فرح طفولي، حتى إنها رقصت فوق النصب التذكاري للشهداء، وسط صراخ الشاب بأن تتوقف ولا تدنس هذا الرمز المقدس.

تتذكر الفتاة، فتخلع شعرها المُستعار، حيث كانت تتشبه بالفرنسيات، وتسوي شعرها كفتيات بلدها، وترتدي زيها الوطني، وتسترد القناع الخشي بالقوة، لأنه ملكها في الأساس، وبعد اكتمال طقوسها هذه، تقوم بالانتحار.
ففكرة وحالة الإحساس بالاستعمار لم تنتهِ بعد، الفتاة لم تتحرر من هذا الإحساس، وإن كان حلمها الذي دارت في فلكه، هو أن تتحقق خارج بلدها، وفي دولة المحتل. (الأمر أشبه بحكاية سمبين نفسه، الذي سافر إلى فرنسا، وظل عشر سنوات حبيس العمل في ميناء مارسيليا، قبل أن يتوجه للسينما).

التراث الشعبي

واجه سمبين إحساسه بالاستعمار، من خلال تراثه الشعبي، وكأنه تعويذة لطرد الأرواح الشريرة، فصاحب البيت الذي كانت تعمل به الفتاة يعود إلى بلدتها ومعه حقيبتها وقناعها الخشبي، عارضاً النقود على أمها التي ترفض، ليأخذ شقيق الفتاة الأصغر القناع ويضعه فوق وجهه، ويسير خلف الرجل في رحلة عودته، ليرتعب الرجل، ويبدأ في الهرولة، حتى يصل إلى سيارته المرتكنة بميدان واسع، مقارنة بالشوارع الضيقة التي يوجد فيها منزل أسرة الفتاة، لينتهي الفيلم بالطفل وهو يهبط بالقناع عن وجهه في بُطء، بعد تأكده من رحيل الرجل المُرتعب.

الأسلوب التوثيقي

في بعض المشاهد، وخاصة التي تدور في بلدة الفتاة تبدو اللقطات وكأنها توثق لحياة هؤلاء.. الشوارع الضيقة المُتربة/الزحام حول الكاتب العمومي للبلدة/البيوت المتراصة والمتلاصقة/الجالسون أمام أبواب المنازل، وخاصة مع مصاحبة الموسيقى والأغنيات المحلية. على العكس من مشاهد الفتاة في الشقة الباريسية، حيث رتابة الإيقاع للإيحاء وتجسيد حالة الاغتراب والخيبة التي تعيشها الفتاة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *