الرئيسية » إقتصاد » المشروعات النفطية… قرارات عشوائية وحقائق غائبة (3)

المشروعات النفطية… قرارات عشوائية وحقائق غائبة (3)

غرامة «الداو» كانت كارثة حلَّت على القطاع النفطي والكويت
غرامة «الداو» كانت كارثة حلَّت على القطاع النفطي والكويت

كتب محرر الشؤون الاقتصادية:
مع ظهور أكثر من دراسة خلال الأعوام الماضية تؤكد أن عصر النفط قارب على الانتهاء، وعلى رأسها دراسة وكالة الطاقة العالمية التي أكدت أن الإنتاج النفطي العالمي سيبلغ ذروته ما بين عامي 2010 و2020، ثم يبدأ بعد ذلك العد التنازلي للنفط والهبوط غير القابل للتراجع، ومع تقدير دراسات أخرى عمر النفط المتبقي بما لا يتجاوز الـ 50 عاماً، يصاحب اختفاءه تعطل أو اختصار أو توقف لجميع البرامج والمشروعات الصناعية والاقتصادية والخدمات الاجتماعية في الدول النفطية، كان لابد من الإشارة إلى أهمية هذه الثروة، وكيف لم تستفد منها الكويت حتى الآن بالشكل الأمثل، لذلك تواصل «الطليعة» نشر سلسلة التقارير التي تتناول أهمية النفط بالنسبة للكويت، والتخبط الذي سيطر على هذا القطاع، وتسبب في تكبيد الكويت مليارات الدنانير، وفي الوقت ذاته تأخر هذا القطاع، مقارنة بالدول الخليجية الأخرى، ما يحتم على الكويت إعادة النظر في استراتيجياتها للاستفادة من الفوائض المالية التي تجنيها من النفط، حتى تخدم البلاد بشكل حقيقي، فما يتم حاليا يمثل بدرجة كبيرة استنزافاً لثروة ولمورد لن يبقى إلى الأبد، وفي ذلك ضياع لفرصة تاريخية لن تتكرر.

إن القطاع النفطي يعاني منذ سنوات سوء التخطيط، وحالة تخبط واضحة، وسوء إدارة ومحسوبية، وهذه عوامل جعلت هذا القطاع يتدهور بشكل كبير، وهو ما تسبب في إهدار الثروة النفطية للبلاد، وإذا ما استمر النمط الحالي في إهدار هذه الثروة، فلن تكون الكويت قادرة على تحقيق أي شكل من أشكال التنمية، لأن عوائد النفط لا تمثل دخلاً بالمفهوم الاقتصادي، ولكنها بمثابة تحويل أصل وثروة تملكها البلاد إلى سيولة مالية. لقد برز سوء التخطيط وحالة التخبط في القطاع النفطي في الكثير من الأمثلة التي سردناها في الأسبوع الماضي، وتسبب ذلك في خسائر فادحة للكويت، وإضافة إلى هذه الأمثلة، هناك أيضا الكثير من الأمثلة الصارخة التي تؤكد أن القطاع النفطي في الكويت يعيش حالة من الفشل وسوء الإدارة، وهذه الأمثلة كلفت الكويت ملايين بل مليارات الدولارات.

غرامة «الداو»

لقد كانت غرامة إلغاء اتفاقية عقد الشراكة بين الكويت وشركة داو كيميكال الأميركية مثالا واضحا للتخبط في القطاع النفطي، وكانت هذه الغرامة كارثة بكل معني الكلمة، ليس فقط على القطاع النفطي، ولكن على الكويت ككل، فقد كبَّدت هذه الغرامة المال العام مبالغ ضخمة وصلت إلى 2.6 مليار دولار (الغرامة بالإضافة إلى الفوائد المترتبة على المبلغ)، وترجع أصول النزاع إلى الاتفاق الذي تم توقيعه بين شركة داو كيميكال الأميركية، وشركة صناعة الكيماويات البترولية في 2008، لإقامة مشروع مشترك، والمعروف باسم «كي- داو»، ونتيجة سوء التخطيط والاختلاف حول الصفقة أعلنت الكويت انسحابها من المشروع.

وعن الصفقة وإلغائها، قال تقرير شركة بيان للاسثتمار إن صدور حكم هيئة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية (ICC)، في قضية التحكيم بين شركة داو للكيماويات الأميركية وشركة صناعة الكيماويات البترولية والمتعلقة بصفقة «كي – داو»، والتي تبلغ قيمتها ما يقارب 6 مليارات دولار، وإلزام شركة صناعة الكيماويات البترولية بدفع تعويض مالي لشركة «داو» بقيمة 2.16 مليار دولار (لا تتضمن الفوائد والتكاليف) يثبت ما شهدناه المرة تلو الأخرى من حالة الاستخفاف في التعاقدات الحكومية على الصعيدين الدولي والمحلي.

وأضاف التقرير «إن قيام أي حكومة بإبرام العقود ثم فسخها على هذا المنوال هو استهتار بالالتزامات، ويؤثر بشكل بالغ في مصداقية وسمعة الكويت، محلياً ودولياً، ويمكن القول إن السياسة الحكومية الاقتصادية التي تسير على غير هدى في السنوات الماضية، أدَّت إلى تعرُّض الكويت إلى أكبر غرامة يمكن تصورها، نتيجة استخفاف الحكومة بالتزاماتها، واستمراراً لمسلسل القرارات غير المدروسة، والتي يتضح من تلك القضية أن نتائجها السلبية ستظهر، وإن طال الوقت.. في النهاية يجب أن تمثل القضية المتعلقة بهذا العقد وتوابع الغائه عبرة للحكومة، وصورة حاضرة للأثر البالغ الضرر للقرارات غير المدروسة والعشوائية للجهاز التنفيذي على اقتصاد الدولة وسمعتها».

حقول الشمال

لم تكن الخسائر التي مُنيت بها الكويت جراء تعطل مشروع حقول الشمال أقل قدرا من خسائر غرامة «الداو»، بل إنها تفوقها بمراحل، فقد قدرت الإحصائيات هذه الخسائر جراء تعطل هذا المشروع بنحو 31 مليار دينار.

ويعد هذا المشروع من المشاريع التنموية التي توقفت بلا مبررات قوية، حيث كان للجدل السياسي الكلمة الفصل في تعطل هذا المشروع إلى وقتنا هذا.. ومن المعروف أن مشروع حقول الشمال مطروح منذ مدة زمنية طويلة، ومرَّ بفصول كثيرة من الجدل والتشكيك على مدى السنوات الماضية، ولم يسلم المشروع من إقحامه في المنافسة السياسية والمواجهات النيابية الحكومية التي أدَّت إلى تجميده.. وفي ظل أسعار النفط الحالية، فإن المشروع كان سيدر على خزائن الدولة ما يقرب من 31 مليار دينار، بخسائر يومية تفوق الـ 5 ملايين دينار.

وقد وصف تقرير شركة الشال للاستشارات الاقتصادية مشروع حقول الشمال بالمشروع المستحق، ولكن المبررات التي قدمت لتسويقه قديما تنذر بولادة أزمة جديدة حوله، إذا تقرر إعادة تسويقه، ويستحسن اجتنابها مقدما، مبينا أن المشروع قد يكون مستحقا، لكن أن تكون الكويت بعد كل هذه السنوات من عمر النفط مازالت لا تملك القدرة على التعامل مع استخراج النفوط الصعبة، فهو أمر محزن، ومن ثم لابد من عدم المكابرة، والقبول بمبدأ الاستعانة بالأجانب، مع شروط واضحة بنقل تدريجي للخبرة والمعرفة.

وذكر التقرير أن المبررات التي قدمت قديما لتسويق المشروع كان أحدها ماليا، والآخر خاصا بالعمالة المحلية، والثالث خاصا بمستوى الزيادة في الإنتاج، ولكنها إما غير صحيحة وإما أنها هامشية.
لذلك «نحن نعتقد بضرورة تغيير المنهجية، عند عرض المشروعات النفطية، فليس هناك أفضل من عرض الحقائق مجردة، فالاختلاف جائز، ولكن تظل مصلحة البلد هي مسطرة القياس، وإن كانت هناك مصلحة للبلد في المشروع، فلابد من عرض المبررات الحقيقية لها، ولابد من صدقية عالية للفريق الذي يحمل أمانة عرضها، فنحن وغيرنا لسنا على دراية كافية للخوض في التفاصيل، ونحتاج إلى الثقة في الفريق الذي يتولاها».

المصفاة الرابعة

ومن أهم المشروعات التي تعرَّضت للتأخير، وأدَّت إلى تحمل القطاع النفطي خسائر كبيرة، مشروع المصفاة الرابعة، ويهدف المشروع في الأساس إلى إنتاج الوقود النظيف لتزويد محطات توليد الطاقة الكهربائية وتحسين الوضع البيئي في الكويت، وخصوصا في ظل محدودية كميات الغاز المتوافرة، وتعثر مشاريع استيراد الغاز من الخارج، وزيادة الطاقة التكريرية، لتصل إلى 1.5 مليون برميل يوميا، وكان المفروض بمشروع بمثل هذه الأهمية ألا يؤجل كل هذه المدة التي وصلت إلى أكثر من 12 عاما منذ إطلاق فكرته للمرة الأولى، وبفعل التأجيل المستمر للمشروع تضاعفت ميزانيته أكثر من مرة، من 4 إلى 6 ثم 12 ثم 15 مليار دولار، وهذا كله يدل على التخبط وسوء الإدارة، فالمشروع الذي بدأ بميزانية 1.1 مليار دينار وصلت ميزانيته إلى ما يتعدى 4 مليارات دينار.

وقد ثارت حول المشروع في البداية الكثير من الشكوك، وكان عليه الكثير من الملاحظات، وضمن هذه الملاحظات قيام مجلس الوزراء بإسناد المرحلة الثالثة للمشروع لشركة فلور الاستشارية، بعقد بلغ‮ ‬مليار دولار تقريبا، من ‬دون وجود جهاز استشاري‮ ‬يشرف على الشركة، ومن دون مناقصة عامة أو مزايدة وممارسة علنية‮. وبخصوص هذا المشروع، أصدر ديوان عام المحاسبة تقريرا في‮ ‬يوليو ‬2007، ‬ ذكر فيه ضرورة إيقاف إبرام العقود، حتى‮ ‬يتم تحديد موقع المصفاة بصفة نهائية، بالإضافة إلى تشكيكه في ‬سلامة العديد من الإجراءات الخاصة بتنفيذ المصفاة‮.‬

مصفاة فيتنام

مشروع إنشاء مصفاة ومجمع للبتروكيماويات في فيتنام كان هو الآخر بمثابة مصدر قلق للجميع، فقد كان هذا المشروع استكمالا لمسلسل التخبط وعدم الشفافية في مؤسسة البترول الكويتية وحلقة جديدة من مسلسل التطاول على المال العام. وكل هذه الأمور السابق ذكرها مردها تضارب الأرقام في تكلفة المشروع، إذ أكدت مؤسسة البترول الكويتية أن التكلفة الإجمالية للمشروع تقدَّر بـ 9.2 مليارات دولار، مبينة أن حصة شركة البترول الكويتية العالمية (تابعة للمؤسسة) فيه تبلغ نحو 3.2 مليارات دولار، أي ما يعادل حوالي 35 في المائة من المشروع، وبمشاركة ثلاث شركات أخرى بنسب مختلفة.. وبعيدا عن إعلان المؤسسة من أن «تنفيذ هذا المشروع يأتي متوافقا مع الخطط والأهداف الاستراتيجية طويلة المدى لمؤسسة البترول الكويتية، وشركة البترول الكويتية العالمية«، وهي جملة مكررة نسمعها في كل إعلان عن مشروع، وفي كل تصريح وبيان للمؤسسة، فإن رقم التكلفة الإجمالية الذي ذكرته مؤسسة البترول، والاختلاف بين هذا الرقم وما تم الإعلان عنه سابقا من تكلفة للمشروع، والتخبط في الأرقام التي تعلنها «المؤسسة» حول مشاريعها، سواء الخارجية أو الداخلية مثار جدل.. فبالنظر إلى التكلفة الجديدة التي تم الإعلان عنها (9.2 مليارات دولار)، نجد أنها تزيد بنحو 4 مليارات دولار عن أول تكلفة للمشروع أعلنتها شركة البترول الكويتية العالمية، والتي تقدَّر بنحو 5.2 مليارات دولار، في حين أنها تزيد بمقدار 2.2 مليار دولار عن تكلفة أخرى أعلنتها أيضا الشركة نفسها للمشروع، وقدرتها بنحو 7 مليارات دولار، فأي الأرقام الثلاثة هو الصحيح، وأيها نصدق، وخصوصا أن الأرقام الثلاثة صادرة عن مسؤولين في القطاع النفطي؟

ووفق ما أعلن رئيس مجلس الإدارة العضو المنتدب في شركة البترول العالمية (السابق) حسين إسماعيل في 10 أبريل 2012، أن تكلفة المشروع تقدَّر بنحو 5.2 مليارات دولار، مبينا أن هناك بنودا أخرى ستضاف إلى التكلفة، موضحاً أن هذه التكلفة (5.2 مليارات دولار) سيتحملها الشريك الياباني مع شركة البترول الكويتية العالمية، فيما يتحمل الجانب الفيتنامي 25 في المائة فقط، وهو ما يعني أن «البترول الكويتية العالمية» والشريك الياباني سيتحملان مناصفة 75 في المائة من التكلفة.. وأيا كانت البنود الأخرى التي أشار إليها إسماعيل، والتي ستضاف إلى التكلفة، فإنها بالتأكيد لن تصل إلى 4 مليارات دولار، وبالتالي ارتفاع الرقم إلى 9.2 مليارات دولار أمر مستغرب.

وقد يذهب البعض إلى أن الأرقام التي تم الإعلان عنها سابقا طرأ عليها بعض التغييرات، نظرا لارتفاع أسعار بعض المواد الخام، أو تكاليف إضافية تحملها المشروع، وقد نسلم بهذا الأمر، ولكن هذه الزيادات قد تكون بضع مئات من الملايين، لا أن تكون بمبالغ مليارية، فالأمر لا يصدقه عقل، فالزيادة عن أول تكلفة تم إعلانها للمشروع تقدر بـ 4 مليارات دولار (بما يقترب من إجمالي تكلفة المشروع)، والزيادة عن التكلفة الثانية التي تم إعلانها تقدر بـ 2.2 مليار دولار. وإذا كانت الكويت اهتزت وبشدة، وقامت الدنيا ولم تقعد حتى الآن لدفع الكويت غرامة الداو بـ 2.2 مليار دولار، فإن الزيادة في مشروع فيتنام، والتي لا يعلم أحد السر وراءها أو سببها تعادل غرامة «الداو»، وربما تكون ضعفها، وهو مبلغ كبير، ويستحق السؤال عن السر وراء هذه الزيادة، وإلى أين ستذهب، ولماذا لم يعلن عن تفاصيلها سواء الآن أو سابقا.

إن هذا التخبط في المشروع الممتد الحديث عنه منذ أكثر من 6 سنوات وفي الأرقام المرصودة له كان جزءا رئيسا من الأزمة التي مرَّ بها القطاع النفطي أخيرا، ومحورا من محاور استجواب وزير النفط (السابق) هاني حسين، نظرا لتضارب الأرقام والتكاليف التي تكبَّدتها الدولة، جراء التأجيلات المستمرة للمشروع منذ أكثر من 6 سنوات، فقد تحمَّل المال العام ملايين الدولارات، جراء السفر والرحلات والتنقلات لقيادات القطاع النفطي والوفود المصاحبة لهم وفي التعديلات المستمرة على المشروع.

زيادة الإنتاج

من الأمور التي تؤكد أيضا التخبط في القطاع النفطي، الحديث المتضارب عن زيادة إنتاج الكويت من النفط، فمنذ سنوات عدة وضعت خطة 2020 التي استهدفت رفع الإنتاج، ليصل إلى 3 ملايين برميل يوميا في 2010، ومن ثم إلى 4 ملايين في 2020، وحتى الآن هناك تضارب في ما يتم الإعلان عنه عن مستوى الإنتاج، فهناك تقارير تؤكد أن الكويت تنتج حاليا ما يزيد على 3 ملايين برميل يوميا، وهناك تقارير أخرى تؤكد أن الكويت لم تصل إلى هذا الرقم.. أما الأمر الآخر، فهو مع افتقاد الكويت إلى الخبرات والكوادر للتعامل مع مرحلة النفوط الصعبة يبدو أنها لن تصل إلى مرحلة إنتاج 4 ملايين في الوقت المناسب، ما جعل مؤسسة البترول الكويتية تعطي للخطة مسمى جديدا يسمح لها بمدة زمنية أطول لتطبيق خطة 2020 حتى 2030 وربما 2040، وربما عدم الوصول إلى المعدلات المستهدفة نهائيا.

وبعد كل هذه الأمثلة التي طرحناها، يبقى السؤال، هل تنتهج مؤسسة البترول تخطيطا استراتيجيا سليما؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، فلماذا تتعثر معظم مشاريع المؤسسة وشركاتها التابعة؟ إن الأمر المؤكد أن عدم التخطيط السليم أدَّى إلى خسارة الكويت فرصاً هائلة، كان من الممكن أن تستفيد منها الكويت بشكل كبير، سواء ماديا أو تقنيا وفنيا.

أزمة سياسية

كان مشروع مصفاة فيتنام مشروع أزمة سياسية وأزمة في القطاع النفطي، كما كان هذا المشروع منذ بدايته مثار لغط اقتصادي وسياسي، وكان محورا من محاور استجواب وزير النفط (السابق) هاني حسين، ومنذ الإعلان عن تدشين العمل في المشروع أخيرا، لم يتم نشر أي معلومات عنه أو ما تم إنجازه من أعمال.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *