الرئيسية » مقابلات » الوهيب لـ لطليعة: نحن أمام مهزلة سياسية.. والحكومة غرقانة في شبر ماء!

الوهيب لـ لطليعة: نحن أمام مهزلة سياسية.. والحكومة غرقانة في شبر ماء!

محمد الوهيب
محمد الوهيب

حوار حنين أحمد:

أكد أستاذ الفلسفة السياسية والمعاصرة بجامعة الكويت، د.محمد الوهيب، أننا نعيش في مرحلة من العبث السياسي غير المسبوق في تاريخ حياتنا السياسية، مشدداً على أن السلطة سعت في السنوات الأخيرة إلى تكريس هذه الفتنة الطائفية والقبلية في الكويت.

ورأى أن اليوم هناك هوة كبيرة بين ما يجري في السياسة وما نراه على صفحات الصحف والتلفاز، وبين ما يفكر به أبناء الشعب الكويتي، وأن تزايد هذه الهوة واتساع حجمها سيؤدي في النهاية إلى احتقان وغضب متزايد من قِبل هؤلاء الذين لا يجدون لصوتهم أثراً في الواقع السياسي أو معنى لكلامهم وتأثيرا لأفعالهم.

وقال إن هذا الوضع الغريب سيؤدي بالتالي إلى فترات مقبلة من عدم الاستقرار السياسي أكبر من تلك التي شهدناها في عام 2011 مع استقالة حكومة الشيخ ناصر المحمد.

وأوضح أن الدولة ساهمت – إلى جانب أسباب أخرى- في نمو قوى القبيلة، وأشار إلى أن نتائج مثل هذه القوة وخيمة على الدولة نفسها، وتنبأ بأنه في المستقبل القريب، وليس البعيد، ستجد الحكومة نفسها أمام شبح يتسم بصبغة دينية ورابطة دم أقوى بكثير من هذه السلطة السياسية وتطمح إلى استبدالها.

وشدد على أن هذه الحكومة بالتعبير الشعبي «غرقانة في شبر ماء»، وهي التي تمتلك هذه الوفرة المالية الكبيرة، مشيراً إلى أنه في حال انخفض سعر البترول قريباً إلى 50 دولاراً ستحل كارثة على هذا الاقتصاد، وستصبح الحكومة وجهاً لوجه مع الكثير من الأفواه المطالبة بالكثير من الحقوق التي كانت توفرها في السابق وستعجز عن توفيرها.. وهنا الحوار مفصلا:

● كيف تقيّم المرحلة السياسية التي نمر بها حالياً؟
– نحن في مرحلة من العبث السياسي غير المسبوق في تاريخ حياتنا السياسية، وهؤلاء الأشخاص الذي يفترض بهم أن يكونوا نوابا يمثلون الأمة، أضحى بعضهم اليوم ينظر للسياسة بوصفها «بزنس»، ليمرر معاملاته التجارية وصفقاته السياسية المشبوهة، وإن لم يكن له ما أراد، نجده يستهدف هذا الوزير أو ذاك، مستخدما الاستجوابات كسلاح تهديد.

في خضم هذا الصراع شبه السياسي يمكن أيضا إدخال بعض العوامل التي تزيد من وطأته، كاستخدام القبيلة أو الطائفة.

نحن أمام مهزلة سياسية بكل ما للكلمة من معنى.. أما أهل القانون، وهم من نتوسم بهم فهما عقلانيا لماهية القانون ومعناه وفلسفته، فبعضهم واقع أيضا بين أطراف هذا الصراع السياسي، فنجده متجها دائما لتبرير وجهات نظر الأقطاب السياسية التي يتبع لها، من دون النظر إلى المصلحة العامة التي ينبغي على القانون أن يحاكيها.

في ظل وضع غريب كهذا نجد الغموض والضبابية تلفان كل شيء، ونجد عبارة «لا أدري» وقد أصبحت سمة الجميع، ذلك أن كل شيء أصبح قابلا للشك والريبة، فالشك اليوم قد طال كل سلطات الدولة، بلا استثناء، بل حتى الروح الوطنية البسيطة، شعور الولاء والانتماء لهذه الأرض، نجده قد غاب من سلوكنا الجمعي.

● كيف تصف لنا المشهد السياسي الحالي؟
– لا يمكن فصل هذا المشهد السياسي -القانوني الهزلي عن مجريات الأحداث الأخيرة التي مررنا بها خلال 6 سنوات، ولا يمكن كذلك فهمه بمعزل عن التطورات الإقليمية التي تجري من حولنا.. لا يمكننا قراءة الكتاب وفهمه من آخر صفحة فيه، المرحلة الفائتة شهدت عدم استقرار سياسي كبير، وشهدنا للمرة الأولى في تاريخ الكويت السياسي، من بعد قرابة الخمسين عاما على الدستور، استخدام لهجات ونعرات وألفاظ طائفية قبلية، يرجم الكل بها الآخر، بل شهدنا وللمرة الأولى من سنة أو سنتين عنفاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، كحرق مقار انتخابية والضرب أو العنف الجسدي الموجه نحو أفراد وجماعات، وهذا أمر لم نعتده في الكويت على الإطلاق.. لا يمكن لي أن أبرئ السلطة من هذا كله، ولكن قول نصف الحقيقة كذب، لذا فلابد من الاعتراف بأن هناك عددا من الأطراف السياسية المهمة، من داخل الأسرة وخارجها، سعت في السنوات الأخيرة إلى تكريس هذه الفتنة الطائفية والقبلية، وكل ذلك بسبب هذا التوظيف الخبيث لانقساماتنا الاجتماعية في الصراع السياسي.

الدولة الريعية

● ما الإمكانيات التي تملكها السلطة اليوم لمواجهة احتياجات المواطنين؟
– يطلق في الأدبيات الاجتماعية والسياسية على دول كدولنا مصطلح «الدول الريعية»، أي الدولة أو السلطة السياسية التي تمتلك المال، ومن خلال امتلاكها للمقدرات الأساسية للشعوب تستطيع الحكم وإدارة الدولة، وخاصة أن المشاركة الشعبية في هذه الدول محدودة أو ضعيفة، الدولة الريعية «ترعى» مواطنيها.

90 في المائة من الكويتيين يعملون في القطاع الحكومي، الكل يعمل في الحكومة.. أما الـ10 في المائة الآخرون، وهم العاملون في القطاع الخاص، فهم يعتمدون أيضاً على الحكومة في دعمها للعمالة الوطنية، الحكومة في الدولة الريعية تنظر إلى مواطنيها على أنهم سلعة قابلة للشراء بثمن ما، وتهدد بشكل حقيقي أي تحدٍ من شأنه أن يقوض أركانها أو يغير الوضع القائم.

أقول إن الحكومة عندنا، كأي حكومة في أي دولة ريعية، لديها قوة كبيرة في تهديد أي تحدٍ لها، لذلك فأي حراك في الكويت تنظر إليه حكومتنا باستهزاء، لأنها متيقنة في الواقع من أنها تستطيع القضاء عليه، فالمواطنون المشتركون في هكذا حراك قابلون، برأيها، للتهديد في عيشهم وأسرهم التي يعيلونها.

احتياجات المواطنين كثيرة، وعلى الحكومة أن توفرها، فهكذا تعاملت الدولة مع المجتمع منذ زمن طويل، ولا ننسى أن هذا المجتمع لا يدفع أي ضرائب!

باختصار، الدولة هي المسؤول عن وضع الطعام على المائدة، مع ازدياد الوعي زادت مطالبات المجتمع، ولكن تلبيتها لم تكن سهلة، كما كانت في السابق.. النهوض بتنمية حقيقية أصبح أمراً صعباً على الدولة بالنظر لسبب آخر، وهو منافسات العديد من التجار في الكويت، وكلهم لهم ثقلهم، ولا ننسى أن هؤلاء التجار الجدد هم مَن صنع الحكومة تاريخيا.

● ما انعكاس الواقع السياسي على الوضع الاجتماعي للمواطنين؟
– هناك مشكلة كبيرة تكثر عواقبها يوماً بعد آخر في الكويت، ألا وهي تحديداً بُعد الممارسة السياسية من قِبل الحكومة أو المجلس عن الواقع الاجتماعي في الكويت.

اليوم هناك هوة كبيرة بين ما يجري في السياسة، وما نراه على صفحات الصحف والتلفاز، وبين ما يفكر به أبناء الشعب الكويتي، من خلال بعض شرائحه الاجتماعية، وبخاصة الشباب.. الصراع بين أقطاب أسرة الحكم والصراع بين التجار ألقى بظلاله كثيرا على مسيرة التنمية، كما تحدَّثنا قبل قليل، ولكن التأثير اليوم أصبح أشد وطأة على أفراد المجتمع من أي مرحلة سابقة عرفها التاريخ الكويتي، وذلك بفضل الانتشار الكبير لوسائل الاتصال الاجتماعي، وهي الأدوات الحديثة التي عرف كل طرف من أطراف صراعاتنا السياسية كيفية استخدامها لصالحه وبطريقة احترافية.. حرب الإشاعات ومحاولات الشحن السياسي والتعبئة التي تنتشر بين المواطنين وبسرعة كبيرة، هي أحد أشكال التأثيرات الاجتماعية للصراع السياسي الدائر.

دور الشباب

● ما الدور الذي يمكن أن يقوم به الشباب إزاء هذا الواقع السياسي؟
– إذا استثنينا الجماعات الشبابية المحسوبة على التيارات الشعبوية أو الإسلامية، فإن الشباب الكويتي من وجهة نظري، كقارئ متابع ومحلل لتطورات الساحة الكويتية، يفكر اليوم بطريقة ناضجة في كيفية الخروج من هذه الأزمة السياسية التي وجدنا أنفسنا فيها، يفكر بمستقبل سياسي باستطاعته تجاوز مشكلات الواقع اليوم. الشباب الكويتي اليوم يطرح ضرورة وجود أحزاب سياسية على سبيل المثال ويدخل في نقاشات جدية حول هذا الموضوع، وحول تطبيق الحكومة للقانون، ويجادل في إصلاح حقيقي للقضاء.. الخ، من هذه الموضوعات الغائبة اليوم عن طاولة المجلس أو الحكومة، تختلف الأفكار حول هذه الموضوعات، ولكن هذا الاختلاف أمر عادي في أي ديمقراطية، بل إن له دورا كبيرا في تشكيل الوعي وإنضاجه قبل أن يصل إلى أي فعل.

نعلم اليوم أن الحكومة بادرت إلى استخدام آلياتها القديمة، أولاها تحجيم دور المجتمع المدني، هذا في الوقت الذي أعادت فيه إحياء تنظيمات اجتماعية كان يفترض بها الاندثار مع كتابة الدستور الكويتي، كإحياء سلطة القبيلة وشيخ القبيلة الذي باركته السلطة.

هذا الإحياء للطائفية والقبلية في المجتمع، كبعض المشايخ والسياسيين الإسلامويين، والتعامل معهم كوجهاء يمثلون شرائح كبيرة في المجتمع، هو أكبر خطر، ليس فقط على الدولة وعلى المجتمع، بل على السلطة نفسها. فالدولة إن قوت القبيلة يجب عليها أن تعلم أنه في المستقبل القريب، وليس البعيد، ستجد شبحاً أمامها يتمتع بتضامن اجتماعي شديد القوة والبأس، من شأنه تقويض أركانها، ولكن لا نريد أن ننسى أيضا الدور السيئ الذي لعبته المعارضة لدينا، فالمعارضة هي من لجأت للقبيلة والمذهب، من أجل تقوية جبهتها أمام الحكومة.
لا أدري إن كانت تعي هذه السلطة أو المعارضة ما يفعلانه في الواقع، فإن كانتا تعيان خطورة الاستخدام القبلي أو المذهبي في السياسة، والعراق ليس عنا ببعيد، فإن الثمن الذي سيدفعه مستخدمو هذا السلاح ثمن باهظ جدا، ألا وهو هدم أركان الدولة، كمؤسسة قانونية شرعية.

الوضع الاقتصادي

● ماذا عن الوضع الاقتصادي اليوم؟ وما المطلوب من السلطة القيام به لمواجهة التطورات الأخيرة، ولاسيما بعد الاتفاق الإيراني -الأميركي؟
– 90 في المائة من الكويتيين تحت سن الثلاثين، وهذا مجتمع شاب، وكل المؤشرات الدولية حولنا تقود إلى أن دولة الرفاه ستنتهي.. أما الظروف الإقليمية من حولنا، فلا تبشر بالخير أيضا، فهذا التقارب الإيراني – الأميركي، والحصار الاقتصادي الذي كان مفروضا على إيران في طريقه إلى الزوال، أو ربما زال بالفعل، والنفط الإيراني سيكون في السوق قريبا، وهذا سيؤدي بالضرورة إلى تراجع سعر النفط في العالم بوجه عام، ولن تستطيع الدولة تحمل أعبائها التي تتحملها اليوم في المستقبل.

اليوم، في ظل هذه الأوضاع من الرفاه والرخاء الاقتصادي، لدى الحكومة مشكلة كبيرة في توفير سكن للمواطنين وفي تعيين 16 ألف كويتي، ولا تزال تدفع أموالاً لهؤلاء المسرَّحين من العمل الخاص، وليس بإمكانها حتى اليوم توظيفهم.

هذه الحكومة بالتعبير الشعبي «غرقانة في شبر ماء»، فهي مَن يمتلك هذه الوفرة المالية الكبيرة، وإذا انخفض سعر البترول قريباً إلى 50 دولاراً ستحل كارثة على هذا الاقتصاد، وستصبح الحكومة وجهاً لوجه أمام الكثير من الأفواه المطالبة بالطعام ومتطلبات أخرى قد تضاف إلى القائمة.

وإن لم تتم بالفعل دراسة هذا الوضع ومعرفة القادم والاستثمار في هذا الشباب وانتشاله من بؤرة الطائفية والقبلية المنتشرة بصورة غير طبيعية، والعمل على مشروع وطني حقيقي في الإصلاح تبادر به الحكومة، وأشدد على هذا الجانب، ألا وهو اتخاذ الحكومة لزمام المبادرة، فإن المستقبل ستلفه مزيد من الضبابية والعتمة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *