الرئيسية » أحمد الجاسم » أحمد الجاسم : العدوان الثالث على غزة والسقوط الأخلاقي

أحمد الجاسم : العدوان الثالث على غزة والسقوط الأخلاقي

أحمد الجاسم
أحمد الجاسم

نحو قرابة شهر، والعدوان الصهيوني الوحشي لايزال مستمراً على أهلنا في قطاع غزة.

فعلى غرار المحرقة النازية التي ارتكبت بحق اليهود في ألمانيا في عهد الطاغية هتلر، التي راح ضحيتها الملايين (هي مأساة لا ينكرها إلا جاهل أو معدوم ضمير من المشبعين بالكراهية الدينية لليهود كيهود، فكم أخطأ أحمدي نجاد عندما أنكر الهولوكست!)، ارتكب الإسرائيليون محرقة صهيونية جديدة تضاف إلى سجلهم الإجرامي الواسع في انتهاك حقوق الإنسان منذ إعلان دولة الكيان الغاصب إسرائيل عام 1948، وحتى كتابة هذه السطور في اليوم الثامن والعشرين من العدوان سقط 1650 شهيداً و9000 جريح في غزة فقط.

لم تقتصرغارات العدو على مكاتب المقاومة وثكناتها، بل طالت المباني السكنية والمستشفيات والمساجد والملاجئ ومراكز الأونروا، حتى المرافق العامة، بما فيها من أطفال ونساء وشيوخ وشباب مدنيين، في ظل تواطؤ دولي وتخاذل عربي، فالإدارة الأميركية التي ترسل جيوشها وطائراتها من أجل تحرير أفغانستان والعراق من «الدكتاتورية»، هي ذاتها التي تدعم جيش الاحتلال بـ 225 مليون دولار، ليقتل فيها أهلنا العزل في فلسطين!

بدأت إرهاصات الانتفاضة الثالثة بعد مقتل الشهيد محمد أبوخضير حرقاً، الذي قُتل رداً على تصفية المستوطنين الثلاثة المختطفين، وانطلقت الجماهير في الأحياء الفلسطينية غاضبةً، تتوعد الاحتلال بالرد، فسارعت حكومة نتنياهو بإعلان الحرب، لتصفية القطاع من المقاومة ومن أي صوت يرفض الحصار والاحتلال والاستيطان، ومع اتساع حجم الدمار الذي طال البشر والحجر في غزة، كان التوقع أن تخرج الجماهير العربية في كل مكان، معلنةً تضامنها مع الشعب الفلسطيني المظلوم والمضطهد.

كان التوقع أن يطل علينا الشيخ يوسف القرضاوي من قناة الجزيرة، ليعلن الجهاد والنفير العام على الصهاينة، كما أعلنه على سوريا، وكان التوقع، أيضا، أن يبادر السيد نبيل العربي للدعوة لعقد قمة عربية لمقاطعة العدو وطرد سفرائه، أسوةً بطرد السفير السوري من معظم العواصم العربية، وكذلك كان التوقع أن يتم إلغاء اتفاقية الخنوع «كامب ديفيد» ووادي عربة، والاتفاقيات الاقتصادية التي تقتضي بيع الغاز العربي والخليجي لإسرائيل، وأن يُفتح معبر رفح على مصراعيه، لكسر الحصار واستقبال الجرحى.

كما كان التوقع أن تبادر الدول العربية «النفطية» إلى تسليح المقاومة الفلسطينية، أسوة بتسليح «المعارضة» السورية، وأن يدعو السيد المنصف المرزوقي لمؤتمر في تونس لأصدقاء فلسطين شبيه بسابقه «أصدقاء سوريا»، وأن يعلن خليفة المسلمين أبوبكر البغدادي الجهاد على جيش الاحتلال الإسرائيلي، لرفع الظلم عن المسلمين، لكن يبدو أنه مشغول بهم أكبر، فإزالة المظاهر الشركية وهدم قبور الأنبياء والأولياء ومعالم الحضارة وختان النساء وتهجيرالمواطنين المسيحيين من الموصل، أهم عنده من إنقاذ أرواح الأبرياء من الموت.

كل ما توقعته وتمنيته ورجوته لم يكن في مكانه ومحله، وكأن الشعب الفلسطيني لقيط، ليس له أمة وإخوة يحمونه.

وخلافاً للواقع العربي المؤلم، هناك حتماً ما يبعث الأمل في النفس، وهو ما شاهدناه من تضامن أممي مع الشعب الفلسطيني عندما خرجت التظاهرات في المدن الغربية بحيوية وحضور قوي في فيينا وواشنطن ونيويورك وشيكاغوا وتشيلي والسويد، باستثناء «عاصمة التنوير» فرنسا، التي منعت المؤيدين لغزة من التظاهر، وقد بادرت بعض دول أميركا اللاتينية (كالبرازبل والباراغواي وفنزويلا والأوروغواي والأرجنتين وبوليفيا) إلى إلغاء التعاون الاقتصادي مع إسرائيل، وزاد على ذلك موقف الرئيس البوليفي الشجاع إيفومورالِسحين، بوصف إسرائيل بالدولة الإرهابية.

إن تمدد القضية الفلسطينية من حيّزها العربي والإسلامي أكسبها زخماً وقوة في وجه أعدائها، حيث يترتب على ذلك قدرتنا على ترجمتها وتسويقها عالمياً باطار إنساني وحضاري وثقافي وفني بعيد كل البعد عن الأخلاق الداعشية والقاعدية التي أظهرتنا للعالم بأننا أمة متخلفة وهمجية ودموية تمارس القتل على الهوية، وترفض التعايش مع المخالف لها عقائدياً.

لقد شاهد العالم أجمع ما حدث في سوريا والعراق ولبنان، وما تتعرض له الأقليات في العالم العربي من اضطهاد، وخاصة مسيحيي المشرق العربي، من تهجير ومصادرة لحقوقهم وأملاكهم واحتلال كنائسهم وتدميرها في الموصل ومعلولا، في الوقت الذي يفتح فيه المسيحيون الفلسطينيون كنائسهم كملاجئ لإخوتهم المسلمين الفارين من جحيم الحرب، لذلك لننبذ هذه الأخلاقيات المنافية لتعاليم الإسلام، الذي يحث على الإخاء والمحبة والرحمة، كما رأينا أثر البعد الإنساني في دفعه للطبيب النرويجي مادسجيلبرت للمغامرة بحياته، من أجل المساهمة بعلاج جرحى غزة، فيما يذهب طبيب مسلم وعربي للعراق، ليفجر نفسه بالأبرياء! فشتان بين العمل بالأخلاق الإنسانية العظيمة والتدين الفارغ من الإنسانية والرحمة.

تحية للمقاومة الفلسطينية، بكافة فصائلها وتوجهاتها، اليسارية والقومية والإسلامية، التي شرفتنا بصمودها، وتعازينا لأهلنا في فلسطين المحتلة، وموعدنا النصر قريباً بإذن الله.

كلمة أخيرة: تستحق السيدة فيروز وجوليا بطرس ومارسيل خليفة ولطفي بوشناق وتميم البرغوثي الإشادة والثناء والدعم على جهودهم الكبيرة في دعم القضايا العربية وإيصالها للعالم عبر اللغة الموسيقية، لكن أين البقية من الفنانين؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *