الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : الدولة حين تنحط إلى مستوى العشيرة

ماجد الشيخ : الدولة حين تنحط إلى مستوى العشيرة

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

في البدء كانت العشيرة ولم تكن الدولة، واليوم يُعاد استعادة الروح العشائرية، حتى لم يبق للدولة في بلادنا من هيبة تحفظ لها مستوى دولانيتها واحترامها بين الدول الأخرى، وهي تهوي إلى منحدرات التعامل العشائري أو القبلي، فحين تسلم الدولة قيادتها لبعض العشيرة أو القبيلة أو للعائلة أو للنخبة «المصطفاة» سلطويا، تتحول إلى عشيرة موازية، ما يربط بين أفرادها رابطة المصلحة أو المصالح الخاصة بالدولة – العشيرة، بديلا لرابطة الدم أو القرابة والنسب وعلاقات المصاهرة.

 هكذا صارت دول ادعت إيمانها بالقومية، أو زاودت وطنيا وتاجرت بالمقاومة والممانعة، وهكذا تصير اليوم فرق وتيارات وأحزاب الإسلام السياسي، وهي تخوض حروبها العشائرية أو القبلية أو المذهبية، ليس ضد الدولة كنوع من التنافس معها على ذات الموقع السلطوي الأول، بل بين شقيقاتها من الفرق والتيارات الإسلاموية، وكنوع مماثل من التنافس القاتل على ذات الهوية والموقع السلطوي الأول.

 في كل الأحوال، ليس العيب في العشائرية أو القبلية وقيمها وأخلاقيات تعاملها في ما بين أفرادها وأفخاذها، فذاك مستوى من «التطور» لا أحد يلومها عليه، لكن الملامة الكبرى تقع على عاتق الدولة، وهي تتحول إلى ذاك المستوى المرذول لعلاقات أفرادها، وهم يعودون سنوات ضوئية إلى الوراء، إلى ماض قروسطي يفرض سلطانه وهيلمانه، في ما يفترض أنها دائرة من علاقات في الحاضر أكثر عقلانية وتنويرية، في ظل ثقافة حداثية معاصرة، تروم التقدم لا العودة القهقرى إلى أزمنة سحيقة، كانت الروح العشائرية أو القبلية وثاراتها هي السائدة، بل الأكثر سيادة من قيم عقلانية، حتى بعض أفراد القبيلة ذاتها ساهمت في ابتداعها، على الرغم من أنماط العلاقات العشائرية التي سيّدت قيما من التعامل الفردي والجماعي أكثر سلمية، من قيم في الحاضر أكثر عنفا وفوضى ولاعقلانية، من قبيل تلك المستويات من الحروب الأهلية التي تحملها الفرق والتيارات الدينية على اختلافها، وهي ترتد إلى ما قبل نمط التعامل الدولتي بين مواطني الدولة الحديثة.

 مهما يكن من أمر تمرد العشيرة أو بعض أفخاذها القبلية على الدولة، أو تحول بعض «رجالات الدولة» إلى نسخة مشوهة من نسخة السلطة القبلية، فلن يكون بالإمكان أن تعود أنماط سيادة القبيلة وسلطتها، كما كانت في عصورها الذهبية، فقد تفلت الناس كما الدولة من قيود القبيلة، وباتت الدولة هي عنصر الوحدة الأول الذي يتمركز حول السلطة، إلا في التجارب المشوهة التي لم يكن فيها أي سيطرة أو هيمنة للدولة، فقد استطاعت القبيلة في ليبيا وإلى حد ما في اليمن، من تحقيق غلبتها ضد الدولة، واستعادة السيطرة العشائرية والقبلية والجهوية، لتخوض حربها الدموية ضد ما افترض إنها الدولة، إلا أن ما كان لم يكن ليتعدى سلطة القبيلة الأقوى، أو أن الدولة كانت رهينة تحالف من أشتات القبائل الأقوى التي لم تكن لتفكر أن تسلم قيادها لدولة حقيقية حديثة ومعاصرة، فكان الزعيم الفرد الأوحد، رمز ذاك التحالف الذي سقط، فلم تسقط معه سلطة القبيلة، بقدر ما يجري اليوم تكريسها بقوة السلاح الميلشيوي وبزعامات أفراد، أكثر خطورة على إمكانية نشوء سردية دولة أخرى جديدة.

 لم يعد بالإمكان استعادة عصر الحكم العشائري أو القبائلي، فذلك شرطه الغرق في لجج حروب أهلية متواصلة ومتناسلة، وهو ما تحاوله في أيامنا هذه فرق وتيارات بعض قوى الإسلام السياسي القاعدية والداعشية وأضرابها، ممن يريدون للدولة أن تنحط، وقد انحطت بفضلهم وبفضل قوى أساسية في السلطة، في بعض بلداننا إلى مستوى التشظي العشائري والقبلي ذات البعد أو الأبعاد السلطوية المنافسة للدولة ووجودها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *