الرئيسية » ثقافة » «التعصب» لجريفث.. تنويعات الشر البشري ووهم الحضارة الإنسانية

«التعصب» لجريفث.. تنويعات الشر البشري ووهم الحضارة الإنسانية

لقطة من الفيلم
لقطة من الفيلم

كتب محمد عبدالرحيم:
«التعصب»، هو الفيلم الثاني لجريفث بعد «مولد أمة 1915».. ويبدو أن شبح الحرب العالمية الأولى كان له أثر كبير على المنحى الذي اتخذه جريفث في هذا الفيلم، الذي يناقش فيه آفة التعصب لدى الإنسان في عدة عصور مختلفة من تاريخ الإنسانية، المعالجة الفيلمية للفكرة التي أراد جريفث إيصالها في غاية الطموح.. فمن خلال تناول فكرة التعصب عبر 4 حكايات تنتمي لأزمنة مختلفة، كانت حكاية العصر الحاضر ــ وقتها ــ (الفتى وزوجته وطفلهما) هي شِبه الإطار العام للحكايات كلها.. بداية من بابل نبوخذ نصر، مروراً بالمسيح، ومذبحة «بارثولوميو 1572» بين الكاثوليك والبروتستانت في فرنسا، حتى عام إنتاج الفيلم 1916، وقيام جمعية من النساء بالوصايا على سلوك البشر، وتدمير حياتهم، مقابل مُثل عليا لا يجدنها إلا في مخيلاتهن المريضة.

تكنيك السرد الحكائي

يبدأ جريفث الفيلم ببيت شعري لـ«وايتمان»، ثم بامرأة تجلس أمام “مهد”، وتقوم بهدهدة طفل لا يظهر وجهه (الحياة الإنسانية) التي تتأرجح دوماً بين السعادة والألم، وفي الخلفية تجلس ثلاث نساء في جانب مظلم، وكأنهن شاهدات على ما يحدث.

البداية الرمزية تتكرر وكأنها الضابطة لإيقاع الفيلم، حيث يتم التنقل بين القصص والحكايات الأربع، مع بعض العبارات النصية، التي تحمل قدراً كبيراً من البلاغة، لتصف الانتقال أو التنقل بين المواقف السيئة التي يمر بها الإنسان خلال تاريخه، نتيجة تنويعات الشر، التي تتلون وفق وهم الحضارة التي يظن الإنسان أنه وصل إليها.

عن طريق توازي الحكايات وتداخلها يتم السرد القصصي، لتنتهي الحكايات بانتصار الأشرار بالطبع، وموت النبلاء والبسطاء والعاشقين، بخلاف إنقاذ الفتى من الإعدام في اللحظات الأخيرة، ليبدأ مع زوجته حياة جديدة.. التداخل ما بين انهيار مملكة بابل على يد الفرس، انهيار الآلهة “عشتار” والحرية التي كان يمنحها نبوخذ نصر لرعاياه في عبادة ما يشاؤون، مقابل غزو الفرس وفرض عبادة «مردوخ»، ثم الإبادة الجماعية التي حدثت للبروتستانت على يد الكاثوليك في فرنسا، نتيجة الوشايات والاستئثار بالسلطة، ثم دعوة المسيح ونهايته المعروفة، وصولاً إلى الوضع الاجتماعي القاسي الذي دمر حياة الفتى وزوجته، رغم ظهور بارقة أمل في النهاية بإنقاذه من حُكم الإعدام، ليستأنف حياته مرّة أخرى.

تأتي المواعظ المتتابعة في المشاهد الأخيرة، وأمنيات جريفث نفسه، بالاستماع وتنفيذ وصايا المسيح، والمناداة بوقف الحروب، وتحويل السجون إلى حدائق يلهو بها الأطفال، فالوازع الديني والحِس الأخلاقي هو ما جعل الفيلم يدور بالكامل في ظل هذه النظرة، كما جعله يميل إلى أمنيات ميتافيزيقية، يرى جريفث أنها الحل الوحيد.

النوع الفيلمي

من مميزات الفيلم، أنه لم يخضع لنوع فيلمي ما، فالحكاية التاريخية (بابل ومذبحة بارثولوميو) والحكاية الدينية (قصة المسيح)، وأخيراً الاجتماعية والبوليسية (قصة الفتى وزوجته)، جاءت في تضافر ينفي فكرة النوع الفيلمي، ليصبح الفيلم في لغة اليوم «عبر نوعي»، إن جاز التعبير، هذه هي النظرية التي ابتدعها المنتجون في البداية، ثم تتوالى نظريات الفيلم بعد ذلك. فالتداخل النوعي هنا جاء بشكل واضح، وناجح إلى حد كبير، حتى لو لم يقصده جريفث بمفهومنا الحديث لنظريات النوع الفيلمي.

ملصق الفيلم
ملصق الفيلم

المونتاج المتوازي

نظراً لطبيعة السرد، فقد استحدث جريفث فكرة المونتاج المتوازي لسرد أحداث متفرقة تحدث في توازٍ بصري وتناوب درامي، وخاصة في النهاية، عندما يتسارع الإيقاع الدرامي عند محاولات إنقاذ الفتى من تنفيذ حُكم الإعدام، في موازاة انهيار مملكة بابل، والقضاء على عشتار، إلهة التسامح، ولقطات من مذبحة البروتستانت. فالفتى الذي يصعد سلالم المشنقة يقابله المسيح وهو يسير مُتعثراً بصليبه، وهو ترادف مقصود ومقارنة بين وضع الإنسان البائس في عصر جريفث، والمسيح نفسه!

اللقطة العامة واللقطة القريبة

ــ من منجزات جريفث قدرته على توظيف «اللقطة القريبة»، واستخدام الإضاءة بشكل جمالي مقصود في «اللقطة العامة» ليُظهر أدق تفاصيل المكان، سواء في حكاية بابل، أو مشهد الحفل في الحكاية الواقعية، وحتى تظهر هذه التفاصيل جاء توزيع الإضاءة بمساحات كبيرة، وقد يكون من الممكن إضافة إلى ذلك أنه استخدام عدسة قصيرة، لتتيح مجال رؤية أوسع، وحتى يبدو كل من مقدمة الكادر وخلفيته في درجة الوضوح نفسها، وهو أمر يحتاج إلى بحث حول مدى كفاءة العدسات في ذلك الوقت.
ــ أما اللقطات القريبة التي ترسم انفعالات الشخصيات الدقيقة، فلم تأتِ إلا في حالة المقهورين والبؤساء.. كفتاة الجبل في عصر بابل، وزوجة الفتى، في أمنياتها وصلاتها إلى العذراء، وصديقة رئيس العصابة بعد قتلها له.

اللقطة القريبة أيضاً تم استخدامها للإيحاء بحالة من البراءة، كما في وجه الطفل وهو يضحك. ولقطة «اليد»، لتوحي بتوتر زوجة الفتى عند مُحاكمته، التي جاءت على شكل لقطات الـ cut away، بخلاف ذلك جاءت أغلب اللقطات إما متوسطة أو أميركية، وهو ما وسم به الشخصيات الشريرة، بخلاف لقطة قريبة حينما تأملت «راعية» جمعية النساء وجهها، وتأكدت أن عهد شبابها ولّى، لتبدأ رحلة انتقامها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *