الرئيسية » آخر الأخبار » عبد الله النيباري : الحكومة والتطبيق الانتقائي للقانون

عبد الله النيباري : الحكومة والتطبيق الانتقائي للقانون

عبد الله النيباري
عبد الله النيباري

رحم الله «أبا سليمان»، حمود الزيد الخالد، عندما جادل بإصرار وقوة في اجتماعات لجنة وضع الدستور عام 1961، بأن الكويتي لا يجوز إسقاط أو سحب الجنسية منه، مسنّاً بذلك مبدأ أساسياً لحفظ حق المواطن الكويتي بالنص عليه في الدستور في المادة 27 منه «لا يجوز إسقاط الجنسية أو سحبها».

نسترجع هذا الموقف في أجواء الحديث عن حزمة من الإجراءات الأمنية المتشددة، منها موضوع سحب الجنسية، والتي من غير الواضح المقصود بها عبر ما جاء في بيان مجلس الوزراء الأسبوع الماضي «اتخاذ الإجراءات الكفيلة بضمان توافر شروط ومتطلبات شرف المواطنة والانتماء الوطني»، ونتساءل هنا: مَن يقرر ذلك؟

المواطنون أصناف وأنواع، منهم الصالح الشريف والبطل وصاحب الخلق الكريم، ومنهم الطالح والفاسد والحرامي، وهم كثر، بل والمجرم صاحب السوابق، بل حتى الخائن لوطنه، وهؤلاء يحاسبون وفقا للقانون، وقد تصل الأحكام الصادرة بحقهم إلى السجن المؤبد، بل والإعدام، ولكن لا يجوز إسقاط أو سحب جنسيته، إلا إذا كان قد حصل عليها بطريق التزوير، كأن يدعي شخص بنوّة أفراد من أقاربه، لكنهم ليسوا أبناءه، وهناك حالات كثيرة من هذا النوع وأنواع أخرى.

لقد سبق أن أُثيرت مثل هذه المخالفات في مجالس الأمة السابقة، وفي الصحافة، لكن الحكومات المتعاقبة لم تفعل شيئاً حيالها، التي يفترض أن تتوافر لديها المعلومات، إلا أن سكوتها عن ذلك ورضاءها عنه، بل مساهمتها في القرار، يجعلها في موقع الإدانة.

الآن الحكومة تريد أن تستخدم سلاح سحب الجنسية، للانتقام من أشخاص، لأن أبناءهم شاركوا في التظاهرات والمسيرات.

والحديث عن سحب الجنسية وإسقاطها يأتي في سياق قرارات مجلس الوزراء بالتشديد في اتخاذ إجراءات رادعة بكل حزم وصرامة ضد الممارسات التي تستهدف تقويض الأمن والاستقرار، وتشمل هذه الإجراءات الحريات الصحافية ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وجمعيات النفع العام.. كل ذلك تحت شعار تطبيق القانون وحماية هيبة الدولة، التي باتت مهددة، وفق الادعاء. يرافق ذلك حملة مسعورة حول التعدي على الدستور والنظام السياسي، إلى درجة قول وزير الداخلية «إن ما حدث أمام المسجد الكبير كان مخططاً خطيراً وكان سيؤدي إلى انزلاق البلد انزلاقاً لا يعلم مداه إلا رب العالمين»، من دون أن يفصح عن ماهية هذا المخطط، وما هي معالمه، ومَن يقف وراءه، وفي اليوم نفسه يؤكد الوزير في اجتماعه مع النواب، أن الأمر لا يستدعي فرض الأحكام العرفية، فالجانب الأمني تحت السيطرة، أي أنه لا توجد مخاطر تهدد أمن البلد.

لا أحد في الكويت يعترض على تطبيق القانون بحزم وصرامة ضد كل من يخالف القانون، بل إن الشكوى المتكررة يومياً، هي غياب تطبيق القانون وتخاذل الحكومات المتعاقبة في تفعيل سيادة القانون، ما أدى إلى تدهور حالة البلد، لدرجة أن مصالح الناس أصبحت «ما تمشي» إلا بالواسطة والرشوة والمحاباة، وما فضيحة توزيع الأراضي الزراعية إلا آخر الأدلة الطازجة على غياب تطبيق القانون وفق معيار العدل والمساواة من دون انتقائية أو محاباة.

الحديث عن توجهات الحكومة لقمع حرية الرأي والتعبير بكل الوسائل السلمية يعيدنا إلى استذكار ما حدث عام 1964 عندما لجأت الحكومة إلى استصدار تعديلات على قوانين الصحافة وجمعيات النفع العام وقانون الموظفين، والتي كانت موجهة بشكل مباشر لقوى المعارضة الوطنية داخل المجلس وخارجه، وعندما حاول النواب المعارضون التصدي لتلك القوانين، حُرموا من المناقشة باستخدام الحكومة والموالين لها مسألة إقفال باب النقاش، وهو ما أدَّى إلى استقالة كتلة المعارضة، آنذاك، فكانت تلك الممارسات الحكومية تمهيداً لتزوير انتخابات 1967.

وللتذكير فقط، فإن القوانين الثلاثة نصَّت على: فصل الموظف الكويتي وحرمانه من مكافأة نهاية الخدمة إذا تدخل في السياسة، وإلغاء ترخيص أي جمعية أو نادٍ إذا تدخل في السياسة، واتخاذ إجراءات ضد أي صحيفة إذا رأت الحكومة أن ما يُكتب فيها ضد الصالح العام من دون إعطاء فرصة للتظلم.

الآن، تعود الحكومة لتستعيد استخدام تلك الحزمة القمعية من الإجراءات، لتكميم الأفواه وحرية الرأي، وإلا، فما معنى معاقبة الجمعيات إذا تدخلت في السياسة، وما هي السياسة إن لم تكن إدارة شؤون البلد، فالحديث عن القوانين سياسة، والحديث عن الإسكان سياسة والحديث عن التعليم والصحة ودور الجمعيات والنقابات هو نشر للثقافة وتبصير للناس بشؤون حياتهم.

صحوة الحكومة وانتصارها لتطبيق القانون تمخضت عن اعتقال 20 مواطنا من الشباب، لمشاركتهم في تظاهرات «كرامة وطن» والتجمع أمام المسجد الكبير، أطلق سراح 16 منهم بكفالة 500 دينار، باعتبار أن القضية هي جنحة، وبقي 4 رهن الحبس والاعتقال، بدعوى ارتكاب جريمة الاعتداء على رجال الأمن، التي تثير ملابساتها الشكوك، فالتعدي المزعوم هو اشتباك بين رجال المباحث بملابس مدنية اندسوا بين المواطنين وقبضوا عليهم من دون الإفصاح عن هويتهم، ما أثار سجالاً وتجاذباً بين المواطنين ورجال المباحث.

نكرر، لا أحد ضد تطبيق القانون بالعدل والمساواة، ولكن منهج الحكومة هو استقصاء وتمييز ومحاباة، وإلا، فلتطبق القانون على سراق أموال وأملاك الدولة وعلى المخالفات الجسيمة التي أعاقت تطور الدولة.

ملاحظة: يقال بعد صدور قرار سحب الجنسية من النائب السابق عبدالله البرغش، إن هناك نواباً في المجلس الحالي ينتظرهم الدور.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *