الرئيسية » محليات » في دراسة للراحل خلدون النقيب حول مرحلة ما قبل الاستقلال: الإدارة الحكومية والحكم المطلق في الكويت (2-2)

في دراسة للراحل خلدون النقيب حول مرحلة ما قبل الاستقلال: الإدارة الحكومية والحكم المطلق في الكويت (2-2)

ساحة الصفاة في الخمسينات
ساحة الصفاة في الخمسينات

في الوقت الذي تمر فيه الكويت هذه الأيام بأزمات عدة، نتيجة التخبط في الأداء الحكومي من جانب، أو في أداء مجلس الأمة من جانب آخر، تنشر «الطليعة» هذه الدراسة للراحل د. خلدون النقيب حول الإدارة الحكومية والحكم المطلق في الكويت، وذلك خلال مرحلة ما قبل الاستقلال، علما أن هذه الدراسة متوافرة بخط يد الراحل النقيب على الموقع الخاص بكتاباته.

والقضية الثانية، هي محاولة القضاء على «الاحتكارات الاقتصادية الضارة». وهذه القضية تدلنا على حقيقة، أنه على الرغم من التأييد الشعبي الواسع للمجلس التشريعي، فإنه لم يكن من دون معارضة، وربما معارضة قوية ساهمت مساهمة كبيرة، على ما يبدو، في القضاء عليه في النهاية. ونحن لا نعرف من هذه الاحتكارات الضارة إلا ما ذكره خالد العدساني.. احتكار صنع النامليت (المشروبات الغازية)، واحتكار شراء المصارين، واحتكار صنع الثلج، واحتكار شركة النقل والتنزيل، واحتكار تصدير الرمل إلى العراق.

ومع أن هذه الاحتكارات تبدو ثانوية غير مهمة الآن، إلا أنها على ما يظهر كانت قضية مهمة، ولكن هم الذين كانوا يستفيدون من هذه الاحتكارات. وهنا يبدأ الغموض يلف هذه القضية.. فكل الذي نعرفه، هو أن المستفيد الأول من هذه الاحتكارات هم أفراد حاشية الأمير أو بعض التجار «بالاتفاق مع رجال الحاشية» (العدساني، ص30). ومعنى هذا، من باب التخمين على الأقل، أن المجلس قد دخل في صراع مع الأوليجاركي العليا الملفتة حول مركز السلطة والمستفيدة بشكل غير مشروع من الأوضاع السائدة. وأن هذه الأوليجاركي العليا قد بدأت بتأليب الأمير على المجلس، وحثه علی القضاء عليه منذ الشهر الثاني في حياته، وأن هذه الأوليجاركي كانت تمثل التيار السياسي المحافظ الموالي للوضع القائم ضد التيار الإصلاحي الليبرالي الشعبي الذي مثله المجلس التشريعي.

أما قضية الهجرة الأجنبية، فتعود إلى أن أعداداً من الإيرانيين قد بدأت بالهجرة إلى الكويت بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، ولا نعرف بالضبط عددهم سوى أنه قد تجاوز العشرة آلاف شخص سنة 1938، وأن المجلس التشريعي أعدّ مشروع أول تعداد للسكان في أواخر أيامه، لمعرفة السكان الكويتيين من أصل إيراني من المهاجرين الجدد، من دون أن تتاح له الفرصة لتنفيذه.

وكان موضوع المهاجرين المحور الثاني للحديث في الاجتماع الثلاثي مار الذكر، أي عن «وضعية العناصر غير العربية في الكويت»، وما إذا كان لدى المجلس نية «لترحيل اللاجئين الطارئين»، فكان جواب ممثلي المجلس، بأن كل من كان يقطن الكويت قبل نهاية الحرب العالمية الثانية يعد وطنياً، ولا يجوز التفريق بين سكان الكويت، لا من جهة المذهب ولا من ناحية العنصر، كما أشارت بذلك مسودة دستور 1938.. (العدساني ص 41).

ومنذ ذلك الحين، فقد درجت السياسة البريطانية في المنطقة على إخافة الكويتيين من أصل إيراني من التيار الإصلاحي الوطني، وتصويره بأنه يعمل ضدهم للتضييق عليهم،مما حدا بهؤلاء الكويتيين إلى النظر بتشكك لرجالات هذا التيار أو العمل العلني ضده.. وللحقيقة، فإن قادة التيار الوطني لم يوضحوا بما فيه الكفاية حقيقة نواياهم على المدى البعيد. وهكذا بمرور الوقت، وفي خلال ستة أشهر تمَّت عملية احتواء وعزل أعضاء المجلس التشريعي، تمهيداً لحله. وإن كانت هذه التجربة التي امتدت على مدار النصف الثاني من سنة 1938 ذات قيمة رمزية، فإنها حققت مكسباً أساسياً في الكفاح ضد الحكم المطلق (وإن لم يعمر طويلاً)، وهو المبدأ الذي انطوت عليه المادة الأولى من مسودة دستور 1938: «الأمة مصدر السلطات ممثلة في هيئة نوابها المنتخبين».

خلدون النقيب
خلدون النقيب

إراقة الدماء لأسباب سياسية

ولكن حلّ المجلس التشريعي في 1938/12/21، لم يكن هذه المرة من دون مقاومة، فقد امتد الهيجان الشعبي لفترة طويلة، بعد قرار الحل، وصولاً إلى أحداث العاشر من مارس 1939، التي أدَّت إلى إراقة الدماء، لأسباب سياسية لأول مرة في الكويت، وإلى اعتقال وتشريد عدد من قادة «سنة المجلس» لمدد طويلة بعد ذلك. وقد حاول الأمير إحياء فكرة المجلس التشريعي، فدعا عشرين شخصاً (من بينهم اثنا عشر عضواً سابقاً في المجلس التشريعي الأول) إلى الاجتماع، كمجلس تشريعي ثانٍ في 1938/12/30، ولكن المجلس الثاني فشل، لعدم مقدرته على التوصل إلى صيغة دستور جديد، بدلاً من دستور سبتمبر 1938. ورداً على أحداث العاشر من مارس 1939، دعا الأمير المجلس الاستشاري (أو مجلس الشورى الثاني)، الذي تكون من أربعة من أعضاء الأسرة الحاكمة وتسعة من أعيان البلد، إلى عقد أولى جلساته في 1939/3/14، وبذلك وصل أحد أهم الفصول في قصة كفاح الكويتيين ضد الحكم المطلق إلى نهايته المحتومة، وطويت أحداثه في أردية الغموض والخوف والجزع، ولا يزال حتى يومنا هذا كثير من الأحداث ومسبباتها ونتائجها غامضة غموضاً مريباً. وأعتقد بأن الكويت من البلدان النادرة في العالم التي تجعل من أحداث تاريخها المعاصر سراً من أسرار الدولة.

على أي حال، ما إن انتهت أحداث «سنة المجلس» التي مثلت الأزمة الدستورية والسياسية الرئيسة الأولى في الكويت، حتى عادت الإمبريالية البريطانية تطبق على اقتصاد البلاد إطباقاً تاماً، وخاصة بعد إعطاء البنك البريطاني للشرق الأوسط امتياز احتكار الأعمال المصرفية في البلاد سنة 1941، ولمدة ثلاثين سنة (انتهت سنة 1971 بإنشاء بنك الكويت والشرق الأوسط برأسمال أغلبه حكومي ليحل محل البنك البريطاني)، وبهذا تكون «الاحتكارات الاقتصادية الضارة» قد عادت من جديد، وعلى نطاق واسع، ولمنفعة بعض كبار التجار وبالاتفاق مع رجال الحاشية.

وإذا كان من إنجازات المجلس التشريعي الأول سنة 1938 إنشاء وإعادة تنظيم الإدارات الحكومية على أسس عصرية أو حديثة، فإن هذه الإدارات استمرت في الوجود بعد حله، بل ازداد عددها كثيراً بحيث وصل، عند صدور الأمر الأميري بإعادة تنظيم الإدارة سنة 1954، إلى حوالي عشرين إدارة، وهي كما أوردها عبدالعزيز حسين في سنة 1960 كما يلي:

الإدارات الحكومية في الكويت بين سنوات 1961 – 1954:

1 ـ الأشغال العامة.
2 – الشرطة والأمن العام.
3 – الصحة العامة.
4 – الجمارك.
5 – الإسكان.
6 – المطبوعات والنشر.
7 – العدل.
8 – أملاك الدولة.
9 – التسجيل العقاري.
10 – المالية.
11 – الكهرباء والماء والغاز.
12 – المعارف.
13 – الميناء.
14 – البلدية.
15 – الشؤون الاجتماعية.
16 – البريد والبرق والتلفون.
17 – الأوقاف العامة.
18 – الأيتام.
19 – شؤون الموظفين (ديوان الموظفين).
20 – سكرتاية الحكومة.
21 – الجوازات والجنسية.
22 – الإذاعة والتلفزيون.
23 – مجلس الإنشاء والتنمية الاقتصادية (1960).

ولكن الذي حدث بعد «سنة المجلس»، هو أن رؤساء الدوائر الرئيسة أو المهمة أصبحوا من أفراد الأسرة الحاكمة، يتصرفون فيها بحرية تامة، من دون محاسبة ومن دون رقيب. وقد شكل ثمانية من هؤلاء الرؤساء في سنة 1954، ما أطلق عليه المجلس الأعلى، ليخلف مجلس الشورى، وجعل من مهامه سنّ القوانين، والمصادقة على النظم، والموافقة على الميزانية، وتخطيط مستقبل البلاد، بعد اقتران كل ذلك بموافقة الأمير النهائية.

غليان شعبي وإنشاء الأندية

استمر الغليان الشعبي ولم ينقطع بانهيار التجربة البرلمانية الأولى، وقد توجه العمل الوطني إلى إنشاء الأندية الثقافية العامة والرياضية والعمل من خلالها. وكان من أوائل الأندية التي أنشئت في الكويت النادي الأدبي (1923)، ثم نادي المعلمين الذي تأسس سنة 1942، وتبعها نادي التعاون سنة 1949.

واتسعت حركة إنشاء الأندية سنة 1951، بإنشاء النادي الثقافي القومي (الذي أصبح نادي الاستقال سنة 1963، بعد عودة النوادي)، ونادي الشباب ونادي الجزيرة ونادي التضامن. وفي الخمسينات وصلت عملية التسييس – التجذير في الكويت وعموم المشرق العربي إلى درجة عالية جداً، وشملت فئات واسعة من السكان، بحيث كان لابد من أن يصطدم المد القومي الشعبي بالتركيبة التقليدية المحافظة المتمثلة بالمجلس الاستشاري والمجلس الأعلى، وبالهيمنة المطلقة للأسرة الحاكمة على الإدارات الحكومية.

وقد جاء الاصطدام الأول في سنة 1954، فقد حاول الشيخ عبدالله السالم كسر الجمود الذي أصاب العملية السياسية، بأن دعا في سنة 1952 (1500) ناخب من أبناء «العائلات الكويتية» لانتخاب أربعة مجالس، هي البلدية والصحة والمعارف والأوقاف، وكل مجلس فيه 12 عضواً، وعلى رأس المجلس أحد الشيوخ، على أن تكون مدة المجلس سنتين.

الشيخ عبد الله السالم
الشيخ عبد الله السالم

وما إن انقضت الولاية الأولى لهذه المجالس، حتى تفجر الصراع بين رئيس المجلس البلدي (الشيخ فهد السالم) وأعضاء المجلس، ثم انتقل إلى مجلس الصحة، واستقالت المجالس الأربعة بعد ذلك، بسبب عدم التعاون بينها وبين رؤسائها.

وتبنت ما سمي بلجنة الأندية في تلك السنة 1954، (وكانت مكونة من نادي المعلمين والنادي الثقافي القومي وجمعية الخريجين) الدعوة إلى انتخاب مجلس موحد لهذه الإدارات، ولكن من دون جدوى. وفي سنة 1957 أعاد المجلس الأعلى طرح مشروع المجلس الموحد، وشكّلت بالفعل لجنة للانتخابات دعت ثلاثة آلاف ناخب لاختيار 56 مرشحاً لعضوية المجلس لكل الدوائر، ولكن المجلس حُل قبل أن يجتمع اجتماعه الأول.

وجاء الاصطدام الثاني سنة 1956، المتمثل بالقمع الجسدي لتظاهرات التأييد لعبدالناصر في حرب القنال (العدوان الثلاثي) واتصلت موجة التوتر والتحفز الكبيرتين، وخاصة تحت تأثير إذاعة صوت العرب وانتقال مركز الثقل السياسي في المشرق العربي لمصر.

وقد وصلت المجابهة ذروتها بقرار 3 فبراير سنة 1959، بإغلاق جميع الأندية والصحف والمجلات (في أعقاب الحوادث التي وقعت أثناء الاحتفالات بذكرى الوحدة بين مصر وسوريا)، الذي استمر لمدة ثلاث سنوات حتى سنة 1961.

وقد جاء في بيان الأمير عبدالله السالم الذي أُذيع لتوضيح سبب قرار 3 فبراير، بأن الحرية والديمقراطية استغلتا أسوأ استغلال، لدرجة التطاول على ذات الأمير، وبذلك بدأت الأزمة السياسية الثالثة في البلاد، وستستمر حتى إعلان الاستقلال في 19 يونيو 1961.

وفي إبّان هذه الأزمة أنشئت الهيئة التنظيمية للمجلس الأعلى بإضافة ستة من كبار التجار إلى أفراد الأسرة الحاكمة المكونين للمجلس الأعلى، ثم أُعيد توسيعها في أوائل سنة 1961، بإضافة ثلاثة تجار آخرين، ليصبح مجموع أعضائها 16 عضواً. وبقيت في العمل إلى حيث إعلان الاستقلال، ولكن ما إن أعلن الاستقلال، حتى طالب العراق بقيادة الجنرال قاسم بضم الكويت إليه في 1961/6/25.
ويجب أن يذكر هنا بكل وضوح أن تهديد العراق بابتلاع الكويت كان العامل الحفّاز الذي دفع الأمير إلى إنشاء المجلس التأسيسي لوضع دستور جديد للبلاد، وبذلك أوجد حلاً معقولاً مرضياً لجميع الأطراف، للخروج من الأزمة السياسية الخانقة التي كانت تعصف بالبلاد منذ سنة 1959.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *