الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : ما وراء الإبادة

ناصر العطار : ما وراء الإبادة

ناصر العطار
ناصر العطار

أمام السفارة الأميركية في الكويت، جرى اعتصام إنساني، جمع العرب والأجانب، عبَّروا من خلاله عن قليل مما فاض من كثير تحمله مشاعرهم تجاه ما يجري في غزة.. إحدى المعتصمات حملت لافتة كُتب عليها: «هذه ليست حربا، بل إبادة جماعية». نعم، إنها إبادة جماعية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في خضم هذه الإبادة، ما الهدف من ورائها؟ فالدول صاحبة العقل والتفكير لا تقوم بأفعالها غالبا إلا وفق خطة، وإن رفضنا إسرائيل، وجودا وعقلا، فإن إباداتها مدروسة وذات هدف، والإبادة الجماعية التي تقوم بها في غزة – إن لم أكن مخطئا – ربما هي رسالة توجهها إلى مصر وليس إلى «حماس»، الحركة الإسلامية التي لا أظن أن إسرائيل بقوتها المدعومة أميريكاً تحسب لها حسابا عظيما، وهي تتصدر مشهد المقاومين والمقاتلين ضدها، هل كل هذه المُباركة المادية والمعنوية الأميركية لإسرائيل، التي قالها الرئيس الأميركي أمام «إيباك»، هي لأجل حماية إسرائيل من صواريخ حمساوية، التي ربما تخطئ أكثر مما تصيب، وتصدر من طرف يعرف الأميركيون تاريخه جيدا؟ وإذا كانت هذه رسالة إسرائيلية إلى القاهرة، عن طريق إبادة الفلسطينيين، فإنها تريد أن تعرف اتجاه القاهرة الجديد من إسرائيل بعد ثورتيها الكبيرتين وانتخاب رئيس جديد، يُنظر له على أنه ناصر ثانٍ، وهذا الاختبار الإسرائيلي ليس بجديد، فقد قامت بمثله، وإن خلّف ضحايا أقل بعد ثورة ٥٢، حينها فهمت مصر رسالة إسرائيل، وأجابت عنها، بأن أمن الأمة كلٌ لا يتجزأ، وأمن مصر يبدأ من فلسطين.

يُقال، والقول صحيح، إن جماعة الإخوان المسلمين منذ أن تأسست خلفت وخلقت مشاكل لا حصر لها لمصر ولمحيطها، لكن بصراحة تامة، لا أجد أن هذا القول يبرر برودا عربيا تجاه العدوان على غزة، وبالذات برودا مصريا. فلو وصفنا ما قامت به القاهرة في سنوات الخمسينات والستينات تجاه فلسطين في الوقت الذي كانت الجماعة نفسها تخلق المشاكل في مصر ولمصر، فسنجد أنه كان التزاما بالأمن القومي، الذي هو أمنها وحاميها ورافعها لم يعطلها عنه محاولة اغتيال بالرصاص أو بالكلمة، إن إسرائيل تدرك تمام الإدراك، برغم تفوقها العسكري، ماذا يمكن أن تشكل أمواج الأمن العربي المشترك، سياسيا وشعبيا، لو حركتها أكبر الدول العربية، لذلك، فإن جرائمها الكبيرة تتسق مع ما تراه كبيرا وضخما، فقد نشرت جريدة الأهرام يوم الأحد الماضي تغطية لمقالة نشرتها جريدة «تايمز أوف إسرائيل» كتبها الصحافي آفي إسحاقاروف، يذكر فيها أن مصر صاحبة الدور الرئيسي لحل النزاع الأخير، وستظل كذلك، وليس في يد أي دولة عربية أو جهات دولية أخرى.

إن غزة ظلت على الدوام عصية على حلق الحوت الإسرائيلي الذي بلع الأرض العربية.

وقد تهدف إبادة غزة من جانب آخر إلى ترحيل سكانها لمناطق مجاورة، كسيناء، التي قيل إن مخططا إخوانيا – إسرائيليا وضعها في وقت حكم الإخوان المسلمين كبديل عن غزة! كثير من العرب يطالبون ويتمنون أن تعود مصر لدورها، لكن هل تدرك مصر دورها أساسا؟ وهل باستطاعتها أن تقوم به وتدركه قبل رجاء المطالبات ودعوة الأمنيات؟

أياً كان الهدف من الإبادة الإسرائيلية، فإن الرد المصري جاء بعد ثمانية أيام من وقوعها على شكل مبادرة قبلتها إسرائيل ورفضتها المقاومة الفلسطينية، بمختلف اتجاهاتها، وحين تم الرفض ازدادت المسافة بُعدا بين القاهرة وبين ما يجري في غزة، وكأن هناك من ينتظر في القاهرة الرفض، حتى تزداد رقعة البرودة، فهل هذا البرود يليق بالقاهرة ويصب في مصلحة أمنها؟ ألا نتذكر أن هزيمة ٦٧ كان من بين أسباب وقوعها أن تهديدات إسرائيلية أصبحت حشودا كما قيل على حدود سوريا لم تقبل مصر أن تتركها وحيدة أمامها؟ والأصل من التهديدات، هو كسر دور مصر الذي فجر تحررا عربيا وعالميا، لكن القاهرة ظلت ملتزمة، حتى بعد الكسر. إنني أظن، مع تقديري لمن يختلف معي في الرأي، أن هذا العدوان، رغم مآسيه وأحزانه، كان فرصة لاستعادة، ولو قليل من الدور الضائع، بل ولتصحيح أخطائه وتلافي سلبياته، ولتعود القاهرة لواجهة المشهد السياسي العربي، بدعم من محيطها، الذي هي بأمسّ الحاجة إليه، والعكس صحيح، هي فرصة كي تسترد القضية الفلسطينية عروبتها وإنسانيتها، ويتم انتشالها من المتاجرين بها، واستغلال هذه الفرص لا يعني الدعوة إلى قيام حرب عربية – إسرائيلية، بل لتأسيس مفهوم جديد وراسخ للأمن القومي العربي، يقوم على الديمقراطية، التي تحفظ حقوق الإنسان ولا تتجاهل حريته، فما يجري في غزة، هو ذبح لحقوق الإنسان من الوريد إلى الوريد، كذلك في بلدان عربية أخرى تخيّم الطائفية والقبلية بسوادها عليها.. من الواضح أن الشعب العربي دفع وسيدفع أكثر، من أجل أن يكون هو صاحب الكلمة العليا في شأن أمته.. هو ولا أحد غيره.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *