الرئيسية » عربي ودولي » الاستراتيجيات الطائفية واقتصادات الحرب في سوريا والعراق

الاستراتيجيات الطائفية واقتصادات الحرب في سوريا والعراق

الحرب الاقتصادية في المنطقة
الحرب الاقتصادية في المنطقة

إعداد: قسم الترجمة
تناول موقع «نوريا للأبحاث»، الذي يعنى بالجوانب الاستراتيجية في مختلف بقاع العالم، قضايا الديناميكيات المتعددة في الأوضاع الراهنة في سوريا والعراق.

وقالت دراسة أعدَّها فريق من الصحافيين قاموا بزيارات ميدانية إلى البلدين، بين صيف سنة 2013 وشهر يونيو الماضي، إن ما يميز تلك الديناميكيات، هو تفاعلها الجلي، الذي يمثل طائفة من التحديات. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هو كيف نفرّق بين أهمية تلك التحديات من حيث جوانبها الرمزية والسياسية وثقلها الإقليمي؟

وبغية فهم أبعاد النزاع الحالي في سوريا والعراق، فإن من الأهمية بمكان أن نتطرَّق إلى جوانب تتمثل في ضعف سلطة الدولة، وتفاقم الاستياء الشعبي وتداعيات ذلك على نزاع إقليمي شمل مختلف بلدان المنطقة.
وعلى الرغم من ذلك، فإنه يمكن القول إن هذه الديناميكيات الجديدة تتعايش ضمن سمات تقليدية من التوتر والحرب الأهلية. وسواء أكانت شراكات اقتصادية أم تحالفات براغماتية – مثل تلك التي يُقال عن قيامها بين الدولة الإسلامية في العراق والشام وبين النظام السوري – فإن ذلك يظهر الدور المباشر للنظام في قيام موجة إقليمية طائفية الصبغة.

وعلى الرغم أيضاً من قدرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على أداء دور مهيمن في المنطقة مع ما يمثله من تهديد وخطر، فإن المرجح أن تظل الدول اللاعب القوي والنظام المنظم الرئيس للشعوب في هذا الجزء من العالم.. وبالتالي، فإن مستقبل النزاع سوف يعتمد إلى حد كبير على شعوب المنطقة.

تداعيات الربيع العربي

تمثل الحرب الأهلية في سوريا وموجة العنف المتزايدة في العراق صورة معبّرة عن الأوضاع الثورية التي يتعيَّن النظر إليها كجزء من الربيع العربي المستمر في المنطقة، وقد واكب إعادة الترتيبات السياسية السريعة والقاسية عملية طائفية دينية، تمثلت في صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وتجلت في الهجوم على العاصمة العراقية (بغداد).

وهذا التحالف المكون من معارضة شيعية – سنية، هو حصيلة ثلاثة عناصر متداخلة: الأول هو تعزيز الكيانات الدينية من جانب الحكومتين العراقية والسورية، بغية البقاء في السلطة، والثاني هو تشكيل مجموعات دينية مقاتلة، والثالث – ومع ضعف الدولة – ظهور مجتمعات مكشوفة ومعرضة في بيئة عنف متزايدة، والتي لم تجد أمامها سوى طرق بديلة أخرى محدودة.

وبغض النظر عن مدى أهمية ظهور هذا البُعد الديني، فقد رافقته أيضاً مجموعة من العوامل المتداخلة، والتي يعد تحليلها على قدر كبير من الأهمية، بغية فهم هذه الأزمة: التحولات الاجتماعية، والمطالب السياسية والانتهازية الاقتصادية.
وفي حقيقة الأمر، قد تشير الأزمة الراهنة إلى صعود محور سني عربي يتخطى الحدود القومية ويشمل لبنان وسوريا والعراق، ولكن لدى شعوب تلك الدول الثلاث اتجاهات تاريخية شديدة الاختلاف. وحتى إذا قامت الثورة السورية عبر أكثرية سنية تم تهميشها منذ زمن طويل، فقد كانت نتيجة احتجاج على نظام الحكم المطلق.

وفي العراق كانت الثورة حصيلة تهميش الأقلية السنية من قِبل النخبة السياسية الشيعية الجديدة في أعقاب الغزو الأميركي في سنة 2003.

وهكذا، كانت الثورة في العراق وسوريا تنطوي على سمات وطنية مختلفة للغاية، إضافة إلى أن رعاية دول معينة في منطقة الخليج، وخاصة المملكة العربية السعودية وقطر، كانت تهدف إلى إطاحة نظامي سوريا والعراق المتحالفين مع المنافس الإيراني.

وبالمثل، كان «المحور الشيعي» عبارة عن تحالف سياسي بين إيران والنظام العراقي وبعض المجموعات الشيعية العراقية والنظام السوري وحزب الله. وتهدف الحركة الشيعية إلى حماية المزارات في سامراء في العراق والسيدة زينب في سوريا، ويعتمد استمرارها بعيداً عن حدودها القومية على القدرات اللوجستية التي يوفرها الجيش الذي تنتمي إليه وعلى الموارد التي تقدمها الدولة الراعية لها فروع لاهوتية مختلفة من خلال المبالغة في التبسيط المتعلق بالكيانات الطائفية، يبرز الانقسام الديني في سياق حرب أهلية، وتختلط بسهولة الفروع اللاهوتية المختلفة للشيعة في المنطقة، من العلوية إلى الزيدية، ضمن سياق الحرب الأهلية، كما أن توسط العنف يمثل سلاحاً فعالاً بصورة خاصة إزاء التفريق بين الدولة الإسلامية والنظام في العراق وسوريا، حيث تعتمد استراتيجيتهما على زيادة البعد الديني للخصم. ونشر الدولة الإسلامية في العراق والشام في شهر يونيو الماضي لصور قتل المئات من الشيعة جعلتها صادمة بقدر أشد من المجزرة التي ارتكبت بحق المواطنين في القرى العلوية في منطقة اللاذقية السورية في شهر أغسطس من سنة 2013. وكان لقصف الأحياء السنية من قِبل النظام السوري في سنة 2011 الهدف نفسه. ويمكن القول إن الاستراتيجيات السياسية التي يتم تنفيذها تحدد خطوط معارضة يمكن أن تتحقق إذا توافرت لها الموارد الضرورية فقط.

التحالفات المحلية

بعيداً عن النزاعات الدينية، التي تتغلغل بعمق في الأزمة، تختلف الحرب الأهلية في جوهرها في العراق وسوريا، وهي تعتمد على تحالفات مؤقتة وعلى مصالح متعددة، اجتماعية واقتصادية وسياسية. وكانت خسارة النظام العراقي لمدينة الموصل نجمت عن سنوات عديدة من الخسارة التدريجية لسيطرة الجيش العراقي على تلك المدينة، كما أن الراديكالية التي اتسمت بها الحركات الاجتماعية – وكانت نتيجة جلية لسياسة القمع من قِبل حكومة بغداد – جعلت من الممكن إجراء مفاوضات سهلة بين تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وبين الثوار من حزب البعث والجماعات الإسلامية المحلية.

وتجدر الاشارة إلى أن التحالفات المحلية في منطقة الجزيرة في سوريا تعتمد إلى حد كبير على العوامل ذات السمة التاريخية التي كانت موجودة قبل اندلاع الأزمة الراهنة.

وفي منطقة الربيعة، الواقعة على الحدود العراقية – السورية، انضم إلى حزب العمال الكردستاني (بي كي كي) في سنة 2014 مجموعات مقاتلة من السكان العرب المحليين، من أجل محاربة قوات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وكانت تلك الجماعات المحلية تنتمي إلى قبائل عريقة في المنطقة ترفض هيمنة التنظيم المذكور.

تباين المواقف

وعلى أي حال، عندما تقدَّمت القوات الكردية المسلحة إلى معبر تل أميس، الذي يبعد قرابة 100 كيلومتر إلى الجنوب، انضم السكان العرب المحليون الذين يتحدرون من أصول بعثية ضد الأكراد إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في معركته ضد حزب العمال الكردستاني.
وفي مدينة كركوك كان وجود رجال الميليشيا من التركمان الشيعة، نتيجة الاستراتيجية المقصودة من جانب أكراد العراق، والرامية إلى إضعاف الحكومة المركزية في بغداد، وبالتالي تم إرغام تلك الميليشيات على العمل معهم.
وفي سوريا والعراق، أيضاً يعتمد صعود الميليشيات الشيعية على علاقات التعاون القائمة بين المجموعات المسلحة ونظام الحكم والسكان المحليين.

من جهة أخرى، يلعب النظام السوري دوراً رئيساً في اقتصاد الحرب التي تتخطى الحدود القومية التي تدور حالياً في منطقة الشرق الأوسط.

ومن أجل مقاومة المعارضة السورية عمد النظام في دمشق إلى تسليم السيطرة على المناطق الكردية إلى حزب العمال الكردستاني، اعتباراً من شهر يوليو 2012، كما سمح لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بالتمدد وتفادى قصف مواقعه، بغية تحقيق تلك الاستراتيجية.

الحدود الوطنية

من جهة أخرى، تظل الحدود الوطنية جزءاً من إطار العمل المتعلق بمطالب الأكثرية في أوساط المجموعات المسلحة التي تصف نفسها بشكل رئيسي، مثل قوى وطنية، وهي تعمل وفقاً لديناميكيات التعبئة المحلية.
وعلى سبيل المثال، فإن الحركات الثورية الوطنية في سوريا منذ سنة 2011، وهي تضم في الوقت الراهن «جيش المجاهدين» و«جبهة الثورة السورية» و«الجبهة الإسلامية السورية»، وفي العراق منذ سنة 2004، وتضم «جماعة النقشبندية» و«أنصار الإسلام» و«جيش المجاهدين» تقاتل كلها من أجل تحقيق أهداف وطنية. وفي تحالفها الحالي مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام تستمر تلك المجموعات في اتباع أجندتها الخاصة ضد نظامي الحكم في سوريا والعراق، وذلك في معارضة مباشرة للدولة الإسلامية ذات التوجه الديني العابر للحدود القومية.

مشاركة حزب الله

وبالمثل، أيضاً، فإن مشاركة حزب الله في لبنان إلى جانب النظام السوري وتدفق أكثر من مليون مواطن سوري من الطائفة السنية على الجارة لبنان أسهم في زعزعة استقرار ذلك البلد بصورة كبيرة، كما أن ازدياد التوتر في العلاقات السياسية بين اللاعبين الرئيسيين، مع تفاقم الصدامات والاشتباكات، وخاصة في مدينة طرابلس، فإن حقيقة عدم دخول لبنان في حرب أهلية يؤكد وجود إطار عمل وطني بارز وجلي إلى حد كبير.

ومن المفارقة أن التركيبة التي تتخطى الحدود القومية في النزاع في سوريا والعرق قد أبرزت الخلافات في البلدين. ويمكن القول إن الأزمة الراهنة تكتسب السمة الإقليمية من حيث عدد الدول المتورطة فيها، وكذلك أهمية الحركات العسكرية والاقتصادية العابرة للحدود، ولكن هذه الموارد تدعم كلها، وبشكل رئيسي، مجموعات ذات أهداف وطنية. وترى كل الأطراف المعنية في اللعبة، باستثناء حزب العمال الكردستاني وتنظيم الدولة الإسلامية، أن غزو الأراضي، أو إعادة توزيع السلطة على الأقل، هو الحل الوحيد لهذه الأزمة. ولا تتخيل هذه المجموعات إقامة دولة جديدة ذات حدود تتم إعادة رسمها على شكل حل في الأجل الطويل، بل مثل خسارة إقليمية كبيرة.

وقد أصبحت هذه هي الحالة بقدر أكبر، نظراً لأن المناطق التي تحتوي على خليط سكاني لا تزال ذات أهمية بارزة، وخاصة في المدن، وهي لن تسمح باعادة ترسيم للحدود وبتقسيم واضح للأراضي.
وحتى الدولة الإسلامية، وعلى الرغم من رغبتها الجلية في إقامة دولة خلافة حقيقية، اضطرت إلى أن تأخذ في الحسبان الخلافات والفوارق في كل حالة وطنية، وأن تعمد إلى اتباع استراتيجيات مختلفة في ما يتعلق بالدولتين.
وعلى سبيل المثال، فإن تلك الحركة تهدف إلى السيطرة على العاصمة العراقية وإسقاط نظام الحكم، فيما لا تهاجم في سوريا النظام، ولكنها تحافظ على تملكها للمناطق التي تستخدم مواردها.
وهكذا، فإن الدولة الإسلامية تسيطر على السكان بصورة مباشرة، وتعمل على مواجهة الثورة التي تتنافس معها على السيطرة على الأرض. وفي العراق، تنضم إلى الثورة التي تترك لها فرصة السيطرة على الأرض، وذلك بغية تركيز جهودها على الجبهة المعادية للنظام العراقي.

الخلاصة

الانقسام الديني كطريقة للحكم في دمشق وبغداد، وعلى شكل استراتيجية كيانات طائفية من قِبل الدولة الإسلامية يقلص إمكانية تحقيق تسوية بين الحركات الوطنية السنية وأنظمة الحكم.

وإضافة إلى ذلك، فإن إيران والمملكة العربية السعودية وقطر تعمل على تغذية هذا الخط من الانقسام في صراعها، من أجل تحقيق زعامة إقليمية.

وأخيراً، ابتعد الغرب عن المسرح من منظور سياسي في الوقت الراهن، وركز بشكل رئيسي على القضايا الإنسانية ومكافحة الإرهاب.

وتعد هذه أول أزمة في منطقة الشرق الأوسط لا تلعب فيها الدول الغربية دوراً حاسماً في مسار الأحداث والتطورات. وقد عمدت الولايات المتحدة التي تضررت بشدة من الحرب في العراق وعلقت في عملية انسحاب صعبة من أفغانستان إلى تخصيص موارد محدودة فقط، وتركت للاعبين المحليين وللأنظمة حرية اتباع استراتيجياتهم الخاصة. ومن خلال هذه الطريقة لا يوجد ما يمكن أن يحول دون ظهور جماعات دينية تعمل من خلال منطقها الوحشي على ضمان استمرار الحرب الأهلية في المنطقة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *