الرئيسية » ثقافة » جورج حنين.. الشاعر والمُنظر للسوريالية المصرية (3 – 3)

جورج حنين.. الشاعر والمُنظر للسوريالية المصرية (3 – 3)

السوريالية لا بداية لها ولا نهاية
السوريالية لا بداية لها ولا نهاية

كتب محمد عبدالرحيم:
في الجزء الأخير من السوريالية المصرية ومفكرها وشاعرها الكبير جورج حنين، نتطرَّق إلى فكرة الثورة والموقف منها، وخاصة أن الثورة لم تكن بعيدة عن الحركة السوريالية، التي جاءت في سبيلها، إلا أن الثورة الاجتماعية كانت هدف أعضائها المنشود، فلم يثقوا في ثورة يقوم بها بعض العساكر، إضافة إلى أن البرامج الاشتراكية التي طبقها انقلاب يوليو 1952 كانت مُفصلة في أعداد مجلة «التطور»، لسان حال الجماعة، وبشكل أكثر إنصافاً وتماشياً مع الفكر الاشتراكي.

الموقف من الثورة

كان هاجس الثورة الاجتماعية ـ لا العسكرية ـ مُلحاً على السورياليين، ورأوا أن نظام الحُكم هو السبب الرئيسي في الأوضاع المُترديّة، وعلى رأسها ثالوث الفقر والجهل والمرض، وقد كانت هذه الموضوعات محور مجلة التطور، وظهر برنامج سياسي مُتكامل للجماعة في العدد السابع والأخير منها، وكان عبارة عن مَطالِب وقتية كمقدمة لإصلاح أعمق.. كتحديد ساعات العمل وتخفيض الإيجارات، ونظام التأمين الاجتماعي، وجعل التعليم الابتدائي مجانياً وإلزامياً، وتخفيض الضرائب على السِلع وإعادة توزيع ملكية الأراضي، الذي كان يختلف عن برنامج الإصلاح الزراعي، الذي تم بعد ذلك، والذي عكَس المفهوم البرجوازي للإصلاح، حتى يُظن أنه أُعدّ بواسطة خبراء أميركان.

مع نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات خَفت النشاط السياسي للسورياليين، وخاصة مع قيام الثورة، التي تفاءلوا بها مع الكثير من التوجُس، فها هي الأوضاع التي ثاروا عليها وسُجنوا وهاجروا بسببها في طريق التغيير، لكن المُغيّر ليس ثورة شعبية.. إنه الجيش رغم ترحيب الشعب.

ويُعلق حنين على قيام الثورة، قائلاً: «أواصِل تفاؤلي بالنسبة للتطورات المحلية، أعتمِد بالأخَص على بعض سمات واضحة مثل محمد نجيب الذي احتل الصدارة، فالرؤوس لها أهمية كُبرى في التاريخ».. كان حنين يستمع إلى خطاب عبدالناصر في الراديو، وبعد قليل أغلقه، فسألته «بولا» (إقبال العلايلي زوجته وحفيدة أمير الشعراء أحمد شوقي): لماذا؟! فأجَاب أنه كان في ميونِيخ عام 1939، وسَمَع هتلر يخطب، فذكّره صوت عبدالناصر به.

وقف حنين ضد إعدام شهدي عطية، وكذلك حركة الإعدامات الأولى للإخوان المسلمين، وأصبح مناخ القاهرة يُضايقه، حيث إنه عانى المنفى الداخلي قبل الخارجي. وذات صباح دَخل مكتبه في شركة جناكليس، ليجد عقيداً يجلس مكانه، يُبلِغه أنه مطرود!

يقول حنين «أصبح عسيراً ومُتعباً أن أغادر الأراضي المصرية، كما لو كنت أهرب من قارورة.. إنهم يعملون على إسعاد مَن كانوا عساكر أميين، وهم الآن وجوه القدر المشدوفة، إننا ننحدر مع طلوع كل شمس أكثر فأكثر للجمود السلطوي للأمير ذي الأنف كعمود الإشارة».. هكذا كان يُطلق على عبدالناصر، وقد غادَر حنين مصر نهائياً عام 1960، حتى وفاته بها عام 1973.

مصير الجماعة

«أريد أن أغني وأضحك وأحلم وحيداً وحُراً».. هذه الكلمات التي ترجَمها رمسيس يونان من نشيد سيرانو كانت تعبّر عن مفهوم الجماعة الماركسي تفكيراً والسوريالي فناً.

يقول حسن التلمساني «سنضحك.. سنقهقه، ثم نصرخ حتى ننفجر»! المشكلة أنهم سقطوا تحت عبء أسئلتهم غير المُكتملة، فالأحزاب اليسارية والجماعات الأصولية تعرف كيف تهادِن، وتتحول من العَلن إلى السِر، بل والمشاركة في مهازل إنسانية، أما هُم، فلا يعرفون المداراة والمشاركة في أفعال كاريكاتورية تدعو للمرارة والسّخف.

وكما يقول حنين «إن تغيير العالم أمر يعود إلى الطفل، إنه بقطعة طباشير أو بفرع شجرة يرسم بلاداً.. بلاداً حقيقية» لتظل كلماته الأخيرة تتردد في روح كل سوريالي، أو مَن يعتنق هذه الفكرة والحالة الإنسانية شديدة الصدق والرهافة، إذ يقول.. «كل ما أتمناه، هو الوصول إلى نقطة الصفاء القصوى، حيث يحل الأدب محل الحياة، عندئذ، وعندئذ فقط.. ستكون هناك ضرورة للكلام، وستكون للكلمات سُلطة مُطلقة. السوريالية لا بداية لها ولا نهاية، إنما سيظل هناك سورياليون وغير سورياليين. السوريالية.. هي ما سيكون».

المصادر

– السوريالية في مصر/سمير غريب. مكتبة الأسرة 1998.
– راية الخيال/سمير غريب. مكتبة الأسرة 2000.
– تاريخ الحركة الشيوعية المصرية (1)/ د.رفعت السعيد. الأمل للنشر 1986.
– لا مُبررات الوجود «شِعر»/جورج حنين ــ ترجمة أنور كامل، بشير السباعي 1987.
– جورج حنين. ساران ألكسندريان ــ ترجمة كميل قيصر داغر/دار الجمل 1999.
– منظورات/جورج حنين. ترجمة بشير السباعي. آفاق الترجمة/أكتوبر .1997
– بيانات السوريالية/أندريه بريتون ــ ترجمة صلاح برمدا. آفاق الترجمة مارس 1998.
– الكتابة الأخرى. الأعداد الكاملة لمجلة التطور/جماعة الفن والحرية.
– مجلة القاهرة. عدد فبراير 1995/هيئة الكتاب.
– تاريخ السوريالية. موريس نادو ــ منشورات وزارة الثقافة/سوريا.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *