الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : الحياة كما يراها «كونديرا»

محمد جاد : الحياة كما يراها «كونديرا»

محمد جاد
محمد جاد

بعد توقف دام أكثر من عشرة أعوام، أصدر ميلان كونديرا روايته الأخيرة «عيد اللامعنى»، بعدما ظن الكثيرون أن الرجل توقف تماماً عن الكتابة، وأصدرت له دار «لابلياد» الشهيرة أعماله الكاملة في مجلدين كبيرين، جامعة أعماله الروائية والنقدية، «كونديرا» الذي تجاوز الخامسة والثمانين أراد في روايته الصادرة أخيراً أن يقول كلمة شِبه أخيرة تلخص رؤيته الثاقبة في الحياة، هذه الرؤية التي طالما تردد صداها في مُجمل أعماله، فالرجل يسخر من كل شيء حوله، ولا يملك طوال هذه الحياة المشحونة سوى السخرية، كسلاح في مواجهة سخف الحياة وثقلها.

وكما هي رؤيته المعهودة في مُعالجة موضوعاته، التي يمزج فيها الواقع بما فوق الواقع، والموضوعي بالذاتي، والتاريخي بالتفاصيل المُعاشة، التي لا تفصل عن فعل عَرَضي تقوم به إحدى الشخصيات في الحياة.. فأحد العشاق في رواية (غراميات مَرحة) لا يجد انفصاماً بين تاريخ عشقه لامرأة وبين تاريخه السياسي الذي يريد التبرؤ منه الآن، ووصف مدى استغرابه وتقززه من هذه المرأة التي عشقها أيام شبابه ــ بخلاف ذكريات أليمة جمعتهما، كتقرحات مؤخرتيهما التي لازمتهما دوماً حينما كانا يحضران جلسات الحزب الشيوعي للشباب ــ فكيف له أن يحب امرأة تحمل أنفاً بهذه الدمامة؟! فالرجل يجد العيب في ذائقته الجمالية، وهو ما يُشعره بالقهر والغباء بينه وبين نفسه، أكثر من أفكار اعتنقها فترة من الزمن واكتشف مدى زيفها.

هذه لمحة من لمحات السخرية التي تغلف حكايات كونديرا، أما روايته الأخيرة، فتتنفس السخرية من البداية حتى النهاية، فـ «ستالين» كان – وفق كونديرا – مهرجا كبيرا وهو يحكي لرفاقه المؤمنين – به بإراتهم أو بغير، من دون أن يجرؤ أحد على تكذيبه- كيف استطاع اصطياد أربعة وعشرين حجلاً على دفعتين، اصطاد نصفها في المرّة الأولى لنقصٍ في ذخيرته، ثم سار مسافة ثلاثة عشر كيلو متراً، ليتزود بها ثانية، ويعود لاصطياد النصف الثاني الذي كان بانتظاره على الشجرة!

ليلخص صاحب «خِفة الكائن» وجهة نظرة في عبارة تأتي على لسان إحدى شخصيات الرواية.. «لم يعد بوسعنا قلب هذه العالم، ولا تكييفه، ولا إيقاف سباقه المؤلم إلى الأمام، لم يعد أمامنا سوى مقاومة وحيدة ممكنة.. أن نتوقَّف عن أخذه مأخذ الجد».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *