الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : رسالة إلى نتنياهو! 

ناصر العطار : رسالة إلى نتنياهو! 

ناصر العطار
ناصر العطار

سأكتب لك رسالتي يا سيد نتنياهو بلغة مباشرة، لا تصيغ البلاغة العربية كلماتها، ولا تطيل الدبلوماسية سطورها. لقد قرأت لك تصريحا تقول فيه: «لا يوجد بلد يقبل العيش تحت تهديد السلاح».

نعم يا سيد نتنياهو، العيش تحت تهديد السلاح غير مقبول، وواجب كل بلد أن يحافظ على أمنه، ولكنك تعلم علم اليقين أنه في حالة العرب وإسرائيل، أيهما البلد الأصيل، وأيهما مصدر التهديد الغازي والمُحتل، لكني سأسلم معك بأن إسرائيل هي البلد الأصيل، وأن العرب هم مصدر التهديد بالسلاح.. لا، بل سأذهب أبعد من ذلك يا سيد نتنياهو، وأقول إن العرب لا يملكون السلاح كمصدر وحيد يهددون به إسرائيل، وهم فعلا في حالتهم الآن، وربما في حالات سابقة، لم يكن السلاح بيدهم كافيا وقويا، ولم تصل قناعتهم باستخدامه حتى الآن إلى حد الواجب والضرورة، وحتى وإن ملكوا السلاح، فلماذا هذا الخوف يا سيد نتنياهو وإسرائيل تملك أسلحة ضعف ما يملكه العرب، بالإضافة إلى امتلاكها للأسلحة النووية وللقبة الحديدية التي ليس من السهل كسرها واختراقها؟ لماذا هذا الخوف وحال العرب لا يخفى عليك؟ فاستبداد أغلب حكوماتهم يفتك بشعوبهم، والطائفية تمزقهم وتفرقهم، والحركات الدينية تذبحهم، جسدا وروحا، والأموال تُدفع لشراء الولاءات والذمم. هذه الحال يا سيد نتنياهو لا تخفى عليك فحسب، بل تعرف أنه بنسبة كبيرة مدعوم ومُشجع من بلدك، وهو أمر طبيعي أتفهمه، كون أنني سلمت معك أن العرب هم مصدر التهديد، وإسرائيل هي البلد المُهدد.

أعود وأقول لك يا سيد نتنياهو إن العرب لا يهددون إسرائيل بالسلاح، ولكنهم يهددونها بتصدي الشعوب العربية لثالوث التطرف والاستبداد والجهل، الذي هو في حقيقته أدوات تستغلها إسرائيل وتعمل على تضخيمها كلما أحست بوعي عربي.

بالتأكيد تذكر يا سيد نتنياهو أن أكبر خطر كتم أنفاس إسرائيل لم يكن سلاحا كاسحا، بل هوية إنسانية جمعت شعوب الأمة، ووحدة قامت بين بلدين من أكبر بلدانها في عام 58، حينها قالت غولدا مائير: «لم أستطع النوم في ليلة الوحدة، فإسرائيل أصبحت بين فكي كماشة». هذا كله يا سيد نتنياهو لم يصنعه السلاح، إنما صنعته الهوية القومية والتوق إلى الحرية.. ورغم هذا، فقد حصلت أخطاء كثيرة، وانفصلت الوحدة، وغابت الهوية، لكن مصدر التهديد الذي تشعر به إسرائيل يمتد من المغرب إلى البحرين، تجمعه لغة واحدة وتاريخ مشترك، وهذا يعني أنه تهديد أكبر من بلدك ودائم لا تستطيع التصدي له، إلا بتشغيل أدواتها باستمرار. ألم تسمع يا سيد نتنياهو ما قاله شارل ديغول، الرئيس الفرنسي الراحل، لزائر عربي كان قد زاره بعد انتصار بلدك على العرب عام 67، شارحا له مبررات الحرب وتطوراتها، لكن ديغول قاطعه، وقال: «اسمع لا أريد منك شرح أي مبررات، لكن أريدك أن تنظر للخريطة، وتعرف حجم العرب وحجم إسرائيل، وأن انتصارها عليكم لن يصمد، لأنكم أصحاب الخريطة».

إن منبع ما يهدد إسرائيل، أن العرب يملكون أجيالا شابة حاضرة ترفض رويدا رويدا نمط التفكير الذي ساد بعد آخر حرب قامت بين إسرائيل والعرب في عام 73، ترفض تفكيرا قام على التحكم بالناس بقوة المال ورهبة الدين. افرح يا سيد نتنياهو بالتقسيم الذي يقطع الأمة وبقتل أطفالها من قِبل الجيش الإسرائيلي، دفاعا عن بلدك وبالخدمات التي تقدم لها من أطراف داخل الأمة وخارجها، لكنك تشاهد الآن تمردا يغلي في نفوس الواعين فيها، تمردا لا يحمل سلاحا يا سيد نتنياهو، بل يحمل روحا كان جسدها فردا واحدا أو أفرادا محدودين في زمان لم تذق في أحد أيامه غولدا مائير النوم، أصبح الآن يتجسد في مواطنين عاديين لا منصب لهم ولا نفوذ، هذه الروح تريد أن تنال حريتها الاجتماعية قبل السياسية، وتراجع ذاتها وتتخذ من الديمقراطية وسيلة لها.. ورغم كل الإحباط الذي تراه، لا تزال محاولاتها مستمرة، لأن واقع الحال السيئ أثر في حياتها، فالتعليم مُنحدر والصحة متدهورة وفرص العمل نادرة والنهب فاضح والتطرف يأكل كل شيء.

بالطبع، سمعت يا سيد نتنياهو عن حركة مقاطعة شعبية نشأت قبل 9 سنوات على أيدي متطوعين شباب ضد شركات أجنبية تساعد بلدك أمنيا داخل الأراضي الفلسطينية، ولا أريد الاسترسال في التفاصيل، فأنت تعلمها جيدا، وتعلم النجاح الذي بدأت تحققه وهي في طور التمدد.

أنت يا سيد نتنياهو أمام أجيال وعيها لم يكتمل بعد، لكنها في حال مراجعة دائمة وتساؤل متواصل وتمرد بطيء، وهذا كله يهدد بلدك، من دون سلاح.

لا أنتظر منك ردا على رسالتي يا سيد نتنياهو، ولكني أكرر ما قاله جورج حبش قبل سنوات: «أن الصراع ضد إسرائيل قد يستمر مائة عام وأكثر، فعلى قصيري النفس التنحي جانبا».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *