الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : الاستبداد وجدل القهر والمقهورين

ماجد الشيخ : الاستبداد وجدل القهر والمقهورين

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

ليس هناك من مستبد يولد جاهزا، هناك منطقة لا تنشأ أو ينشأ فيها حيز الاستبداد، كي يصير المستبد فيها جاهزا، هناك من يصيّره ذاك المستبد الموصوف، من الحاشية والحواشي تنشأ فكرة الاستبداد، ضرورة إنتاج المستبد الطاغية غير العادل، صاحب صولجان السلطة القهرية، السلطة التي تحتكر العنف، كونه شغلها الوحيد أو الأوحد لبناء وظيفتها الوحيدة أو الأحادية، على رأس هرم السلطة التي صيّرتها في لحظة فارقة ضرورات الهيمنة الطبقية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لنخب فئوية موصوفة، سلطة لحكم استبدادي في دولة جرى الاستيلاء على مقدَّراتها في لحظة تاريخية حاسمة، صار التأرجح خلالها بين الما قبل والما بعد، يؤرخ لنشوء سلطة قهرية استملاكية، هيمنت في سنين قليلة أو كثيرة على كل شيء في نطاق السيادة الوطنية، أرضا وشعبا وسماء، اقتصادا واجتماعا أهليا وربما حزبيا كذلك، سلطة ودولة ومؤسسات، كلها وجميعها تصير ملكا لأفراد نخبة عائلية، أفاقت يوما لتجد نفسها وذوات شخوص أفرادها ملاك كل شيء في دولة تحوَّلت ملكيتها من «دار الشعب» إلى «دار لزعيم عائلة استملك وحاشيته الدولة والسلطة» وكل أقانيم الهيمنة التسلطية. صارت الزعامة الاستملاكية رهينة استبداد الفرد الأوحد، والسلطة الاستبدادية رهينة النخبة المنتقاة.

 بين استبدادين، عسكري وإسلاموي، تترنح اليوم في بلادنا أنظمة كثيرة، منها ممن تحسب على بلدان «الربيع العربي» ومنها من لم تحسب بعد، أو لن تحسب. فطبيعتها الاستبدادية أكثر من واضحة للعيان، حتى في ظل إجرائها انتخابات عامة أو رئاسية وتشريعية أو بلدية. الاستبداد فيها قائم بطلب «شعبي» أو «أهلي» نخبوي أو طغموي، طبقيا وسياسيا وفئويا وزبائنيا.

بين استبدادين في بلاد تشهد لموت الحياة السياسية، بل لموت السياسة، وموت القيم والمبادئ والأخلاقيات التي سمحت للدولة أو سلطاتها أن تعيش، وتتعايش ضمن الحد الأدنى من سلوك سياسي، يتحول اليوم على إيقاع «الاستبداد المطلوب»، إلى استعباد إكراهي وإرغامي، لسلطة تتماهى وكونها مطلوبة، شعبيا أو أهليا، من دون أن تخدم أكثر الفئات هامشية وفقرا وحاجة لتنمية دائمة، واستقرارا يمكن في ظله معالجة قضايا عجزت «الدولة القديمة» أو «الجديدة» عن إيجاد المخرجات السليمة لها، والحلول الضرورية التي تؤسس لدولة المواطنين الأحرار، بعد أن ذاق الناس في بلادنا ويذوقون الطعم المر لـ «دولة الرعايا والسبايا» والاستبداد الاستملاكي، وقد «تجذر» في عقول كثيرين من الناس كونه دريئة استقرار قد يطول انتظار استعادته، في ظل فوضى استبدادات تتعدد مصادرها ومرجعياتها السياسية والدينية والفردية، عسكرية ومدنية.

هي الفوضى إذن، وقد أسست وتؤسس لزمن سيادة استبدادات متعددة، تتعايش وتتناقض، تتنافس وتتصارع، تحطم مثالاتها وتدمر الأخضر واليابس في طريقها، ولا تبقي ولا تذر من حضارة وعمران وعمار، فتحيلهم إلى أثر بعد عين، ولكن الأخطر، هو ما قد تسفر عنه معارك دواعش «داحس والغبراء» «الداخلية» بين إسلامويي الثورة المضادة المعادين للتغيير، وبينهم وبين قوى مدنية وعلمانية ويسارية يجري تهميشها وإقصاؤها واستبعادها من المساهمة بمستقبل أوطانها وبلدانها، ما يتيح المجال واسعا للإبقاء على نظام الاستبداد الاستملاكي، حتى لو من دون دعم خارجي، أو في حال انقطاع هذا الدعم.

 هذا في وقت بات فيه الطلب على الاستبداد التسلطي، لا يقتصر على بعض المقهورين من شعوبنا، بل ومطلبا لأنظمة رئيسة في العالم، ما عاد يهمها حقوق الإنسان، أو الحريات والمطالب الديمقراطية، بقدر ما يهمها استقرار مصالحها ومصالح حلفائها، وأمنهم وأمن الكيان الإسرائيلي، كأولوية لا يمكن التهاون فيها، حتى لو استمر الاستبداد حاكما، في دول هشة أو فقدت مبرر وجودها، وهي تستعيد معطيات ما قبل الدولة في أروقة أنظمتها الحاكمة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *