الرئيسية » آخر الأخبار » في دراسة للراحل خلدون النقيب حول مرحلة ما قبل الاستقلال: الإدارة الحكومية والحكم المطلق في الكويت (1-2)

في دراسة للراحل خلدون النقيب حول مرحلة ما قبل الاستقلال: الإدارة الحكومية والحكم المطلق في الكويت (1-2)

مدينة الكويت في الخمسينات
مدينة الكويت في الخمسينات

في الوقت الذي تمر فيه الكويت هذه الأيام بأزمات عدة، نتيجة التخبط في الأداء الحكومي من جانب، أو في أداء مجلس الأمة من جانب آخر، تنشر «الطليعة» هذه الدراسة للراحل د. خلدون النقيب حول الإدارة الحكومية والحكم المطلق في الكويت، وذلك خلال مرحلة ما قبل الاستقلال.

د. خلدون النقيب
د. خلدون النقيب

لم تبدأ الإدارة الحكومية في الكويت بالتطور والنمو إلا بعد سنة 1938، نتيجة سياسات وتنظيمات المجلس التشريعي الأول في الكويت، وكانت قبل ذلك محصورة في السلطات الشاملة المطلقة للأمير، ومن باب التفصيل يمكن القول إن هذا هو الوضع الذي كان سائداً في أيام مبارك الكبير بعد 1910.

ولم يشترك أحد في سلطة الأمير سوى القاضي الشرعي والمحكمة العرفية (التي تفصل في المنازعات التجارية في السوق) ومن كان يتولى مهمة الإشراف على الأمن الداخلي من أقرباء الأمير.

الإدارات الحكومية الوحيدة قبل سنة 1921 كانت دائرة الجمرك البحري، التي تأسست سنة 1899، بعد توقيع الأمير معاهدة الحماية مع بريطانيا في تلك السنة، ثم شهدت الكويت بداية التعليم شبه المنظم بإنشاء المدرسة المباركية سنة 1912. وفي سنة 1914 أنشئ الجمارك البري، ثم استحدثت وظيفة الأمن العام.. أما القضاء الشرعي، فقد كان محصوراً، أو يكاد، في أسرة العدساني حتى نهاية حكم مبارك الكبير، وفق رواية الشيخ يوسف بن عيسى. وفي تلك السنة اعترفت بريطانيا للكويت بشيء من الاستقلال «الذاتي» تحت الحماية، بموجب بيان الحماية البريطاني بتاريخ 3 نوفمبر 1914.

مجلس شورى

وبذلك، تكون أحداث سنة 1921 قد مثلت نقطة تحول رئيسة في تطور النظام السياسي في الكويت، وإن كنا لا نعرف إلا القليل من المعلومات التفصيلية عنها. فعند مبايعة الشيخ أحمد الجابر في تلك السنة أنشأ الكويتيون مجلساً للشورى لمشاركة الأمير في الحكم.

ولا نعرف بالضبط حتى الآن لماذا أنشئ المجلس في هذا الوقت، ولماذا فشل في عمله أو لماذا انحل؟ فلا عبدالعزيز الرشيد ولا الكولونيل ديكسون يخبراننا بما حدث، وكلاهما من المعاصرين وشهود لواقعة إنشائه، وكلاهما كتب في تاريخ الكويت.
فوفق رواية الرشيد، الذي كان عضواً في المجلس، فإن الأمير «أفسح المجال بتأسيس مجلس ينظر في شؤون البلد ومصالحها، ليكون عوناً له في إدارة الأمور والأحكام، وعاهدهم ألا يبت بأمر مهم إلا بتصديق المجلس عليه، وقد تأسس فعلاً.. ولكن المؤسف والمحزن أن هذا المخلوق الصغير كان قصير العمر جداً، فإنه ما كاد يحكم، حتى زهقت روحه وألحد في قبره.. إلخ».

الشيخ أحمد الجابر
الشيخ أحمد الجابر

هل كان قيام مجلس سنة 1921 ردة فعل لحكم الشيخ مبارك الكبير المطلق؟ وهل كان تحسباً لتطورات مستجدة في المنطقة، كتهديد حركة الإخوان للكويت، مثلاً؟ هل كان استجابة لأحداث قومية تجري في المنطقة على صعيد الاستقلال والوحدة العربية بعد ثلاث ثورات وطنية هزت المشرق العربي في مصر وسوريا والعراق؟ لا أحد يدري بالضبط، وقد اعتاد الباحثون على ترديد ما ذكره عبدالعزيز الرشيد وديكسن من دون إضافة أو تعليق، وكأنهم على استحياء أو في حرج بالغ.

لماذا فشل مجلس الشورى الأول، وخاصة أنه لم يجتمع بعد انقضاء فترة قصيرة على تأسيسه؟ ديكسن يعطي الانطباع بأن أعضاء المجلس أنفسهم لم يكونوا جادين أو ملتزمين، فانحل المجلس (أو انغل كما يقول الشيخ يوسف بن عيسى في ملتقطاته)، لأنه لم يجتمع أو لم يُدعَ إلى الاجتماع.

ولكن عبدالعزيز الرشيد، الذي كان عضواً فيه، له رواية أخرى، وهي عبارة عن مجموعة من الرموز والألغاز.

يقول في تاريخه، بعد المقطع الذي اقتبسناه أعلاه، بعد أن يعدد رئيس وأعضاء المجلس: «وقد تضاربت الأقوال فيمن هو الملوم على إحباط هذا المشروع، ومن الذي تُلقى عليه المسؤولية في إخفاقه، أما أنا، وقد كنت واحداً من أهل ذلك المجلس، فإني أنزه سمو الأمير عن المسؤولية، وقد عرف إخواني الفضلاء على مَن تكون المسؤولية من أهل ذلك المجلس». على مَن تكون مسؤولية فشل أول محاولة لتقييد الحكم المطلق وأول محاولة للمشاركة السياسية في الحكم في الكويت؟ لا ندري حتى الآن وبعد مرور أكثر من أربع وستين سنة على هذه الأحداث.

والمهم في الأمر، هو أن مجلس 1921 لابد أن يكون مؤشراً لتيار سياسي قوي في البلاد يدعو إلى تقييد الحكم المطلق، وربما كان بمثابة رافدٍ يصب في المجرى العام للأحداث في المشرق العربي، الذي كان يتجه نحو المطالبة بالاستقلال السياسي الناجز والحكم الدستوري النيابي والوحدة العربية (ولكن ليس بصيغتها الاندماجية التي نفكر بها هذه الأيام)، وقد تبعت تلك الأحداث أحداث لا تقل عنها أهمية: مؤتمر العقير 1922، الحصار الاقتصادي السعودي للكويت، الكساد العظيم.. إلخ.

أما على صعيد الإدارة، فقد أنشئت دائرة البرق والبريد في سنة 1926 (بعد أن فصلت عن دائرة البرق في العراق)، ودائرة البلدية سنة 1929، ودائرة المعارف سنة 1936، في محاولة لتنظيم الإدارة الداخلية في البلاد. وقد تلقت عملية التنظيم هذه دفعة كبيرة جداً في أحداث سنة 1938 عندما أنشأ الكويتيون (في محاولة جديدة لتقييد الحكم المطلق) المجلس التشريعي الأول في يونيو من تلك السنة.
وقد انتخب أعضاء المجلس التشريعي الأول بالطريقة نفسها التي كان يُنتخب بها أعضاء المجلس البلدي ومجلس المعارف، وكانت غالبيتهم العظمى من أبناء التجار المتنورين الراغبين في الإصلاح العصري، كما كان يُقال في ذلك الحين، أو في التحديث السياسي، كما يُقال الآن. وكان مجلساً إصلاحياً من الطراز الأول ومارس نشاطاً فعالاً في إصلاحاته، بحيث جعل من نفسه ضحيةً لإنجازاته (كما يقول هانتكتن)، فلم يستمر في السلطة إلا ستة أشهر من يونيو إلى ديسمبر 1938.

وكان من أهم إنجازاته في مجال تنظيم الإدارة في البلاد إدخال التفكير العقلاني للبيروقراطية الحديثة، عن طريق إعادة تنظيم البلدية والجمارك والمعارف والمحاكم، وإنشاء إدارات الصحة والشرطة النظامية (دائرة الشرطة والأمن العام)، وتولي صلاحيات محاكم الاستئناف بنفسه (لعدم وجود فكرة الاستئناف في القضاء في ذلك الوقت)، وأخيراً إنشاء إدارة المالية وضع حسابات عامة للواردات والمصروفات، بحيث فُصل لأول مرة في الكويت بين ميزانية الحكومة وبين خزينة الأمير، بل بين الأمير وبين الدولة.

3 قضايا

واجهت المجلس التشريعي الأول ثلاث قضايا مركزية، بالإضافة إلى قضية الإصلاح الإداري وإنشاء البيروقراطية العقلانية، وهذه القضايا ربما تكون قد تسببت في القضاء عليه، وهي: قضية الاستقلال وإعادة النظر في معاهدة الحماية البريطانية، قضية الاحتكارات الاقتصادية الضارة وقضية الهجرة الأجنبية إلى البلاد.

وإذا وجد القارئ تشابهاً في القضايا بين الأمس واليوم، فعليه ألا يتسرَّع في إصدار الأحكام، فقد اختلف المحتوى والسياق التاريخي.

فأحد الظروف ذات الدلالة الكبيرة، هي أن إنشاء المجلس التشريعي الأول جاء بعد مرور أربع سنوات فقط على توقيع الأمير امتياز التنقيب عن النفط في سنة 1934 (وكان أول اكتشاف له في فبراير سنة 1938)، وكان هذا الامتياز أحد المحاور الرئيسة للحديث في الاجتماع الثلاثي الذي عقد بين المقيم السياسي البريطاني في الخليج وممثلي المجلس بحضور الأمير بتاريخ 1938/10/15، في الكويت.

فقد أبدى الإنكليز تحفظاً في الاتصال مباشرة بالمجلس في ما يتعلق بشركة الزيت، وفضلوا التعامل مع الأمير، وهو الذي يتولى بدوره الاتصال بالمجلس. وكان واضحاً أن المقصود بهذا، هو مَن الذي سيتسلم حصة الكويت من دخل النفط، فقد كان رأي المجلس، هو أن «حكم الاتصال والمخابرة مع هذه الشركة (شركة الزيت) خاضع لنفس الأصول المتبعة مع الشركات الأجنبية التجارية الأخرى في الكويت..». وهذا كما ترى رد لم يكن ليرضي الإنكليز، وهم القوة الأعظم في المنطقة.

ولم يكن ليرضى الإنكليز كذلك بالاعتبار القومي، الذي قاد خطوات كثير من أعضاء المجلس التشريعي، وخاصة طرح مسألة التنسيق والتعاون مع القوى الوطنية التي كانت في صفوف المعارضة في العراق وسوريا، وتجاوباً لما كان يحدث في فلسطين من أحداث مأساوية دامية، خاصة وقد سبقت إنشاء المجلس حملة صحافية واسعة في العراق لصالح «أحرار الكويت»، واستنكاراً لما كان يجري «من أعمال الشدة وخنق الحريات والتصرفات الفردية والوسائل الكيفية التي كانت تجري في الكويت. وهكذا، فقد أدَّت قضية السيادة في تقرير من يتسلم الدخل الوطني بالقضية الأكبر: الاستقلال تحت مظلة الوحدة والتكافل العربي، وستبقى هذه القضية الأكبر العامل الحفّاز في الصراع السياسي في المنطقة، وكان من دون تحقيق وحاجة من دون إشباع.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *