الرئيسية » ثقافة » جورج حنين.. الشاعر والمُنظر للسوريالية المصرية (2-3)

جورج حنين.. الشاعر والمُنظر للسوريالية المصرية (2-3)

جماعة الفن والحرية
جماعة الفن والحرية

كتب محمد عبدالرحيم:
في هذا الجزء نستعرض النشاط الفعلي لجماعة «الفن والحرية»، والوصول إلى الجماهير بلغة عربية، عن طريق أعداد مجلة «التطور»، لسان حال الجماعة، والتي اتهمها البعض بتبني خطاب فوقي ولغة متعالية، إلا أن «الفن والحرية» استطاعت تحريك الراكد، والحديث عن موضوعات شائكة كانت ولم تزل حاضرة في المجتمع المصري، إضافة إلى الموقف الحاد الذي اتخذه جورج حنين ورفاقه، رداً على موقف الحركة السوريالية العالمية، التي يقودها أندريه بروتون، حيال موقف الأخير من المساعدة في نشأة دولة إسرائيل، وهو الموقف الذي ينفي عنها مجموعة التهم الجاهزة التي واجهها بها خصومهم من اليمينيين والرديكاليين.

يحيا الفن المُنحَط

صَدَرَ بيان «يحيا الفن المُنحَط»، وكان أول مَظاهر جماعة «الفن والحرية»، وقد جاء رداً على الحظر الذي فرضه هتلر على فن التصوير الحديث، فقد كان حنين وجماعته الجديدة ينفرون من الفاشية التي فتنت الكثير من المصريين وأحزابهم.

وضع حنين البيان، الذي وقعه ما يزيد على أربعين من المثقفين المصريين، وجاء به «… نحن نعتقد أن التعصب للدين أو للجنس أو للوطن، الذي يريد بعض الأفراد أن يُخضع له مصير الفن، ما هو إلا مجرد هزء وسخرية.. يجب أن نقف في صف هذا الفن المُنحَط، ففيه كل آمال المستقبل»، فكانت «الفن والحرية» وقتها تضم أكبر تجمّع ثوري شهده مَطلع الأربعينات، وفي يناير 1940 صدرت مجلة التطور، لسان حال الجماعة.

فها هم يخرجون بالكامل وللمرة الأولى باللغة العربية، لنشر أفكارهم، التي قد تنتمي للحركة اليسارية الوطنية، من دون الانخراط في تنظيماتها وانقساماتها، وكان من الطبيعي أن يُقابلوا بالهجوم والاستهجان من الكثيرين، الذين هَدَدَت الحركة كيانهم ومَصَالحهم، وأن يكسبوا من الأعداء أكثر ما يكسبونه من الأصدقاء.

وكتب حنين عن موقف الجماعة، قائلاً: «إن هدفنا ليس تغيير الرغبة، بل تغيير المجتمع وتكيفه مع رغباتنا، لا يمكن للفن أن يكون عاطفياً فقط، فهو ضد النظام القائم وضد الطبقة الحاكمة، فالفن ليس سوى مَعْمل بارود».

إن مصر في الثلاثينات والأربعينات كانت أكثر تحرراً فكرياً، ونشاطاً ثقافياً مما هي عليه الآن، وقتها لم تكن بها هيئة للطاقة الذريّة، ولم تكن تصنع الصاروخ، بل كانت مُستعمَرَة يحكمها التاج البريطاني والمندوب السامي لجلالة الملكة، ومع ذلك كانت جزءاً من الحيوية الثقافية العالمية، ففيما كانت مجلة «آنيفور» تنشر رسائل من بول فاليري إلى جماعة المحاولين، كان طه حسين ينشر في الكاتب المصري رسائل أندريه جيد، مثلما كان حنين ينشر رسائل بريتون إلى السورياليين المصريين.

الموقف من الاحتلال الإسرائيلي

في عام 48 انفصل السورياليون المصريون، بقيادة حنين، عن السوريالية العالمية، التي كان يديرها بريتون، بسبب مُشاركة السورياليين في بيع لوحات لصالح إنشاء دولة إسرائيل، كما أن السوريالية أصبحت مُنظمة كهنوتية، تتم فيها المعرفة على درجات. فكيف تساعِد السوريالية في إنشاء دولة، وهي ضد فكرة الدولة؟! كما أن الكيان المزعوم يقوم على أسُس عسكرية، والعُنصرية الدينية التي طالما حاربوا من أجلها. وجاء في خطاب لحنين إلى بريتون.. يوليو 48 (عزيزي بريتون.. أكتب هذه السطور بلا مرح وبلا غم. قرار ترك جماعة ليس من تلك القرارات التي تؤخذ بقلب مسرور، وحتى يوجَد شيء أرقى.. سيظل الصمت هو الظاهرة السوريالية الأكثر احتراماً).

ثورة الطلبة

تفاءل حنين كثيراً بثورة الطلبة، التي شارك فيها بالبيانات المؤيدة، وقد عادت مرة أخرى عبارات السورياليين فوق أسوار جامعات فرنسا.. الخيال يأخذ السُلطة/ممنوع المنع/ أريد أن أقول شيئاً، ولكني لا أعرف ماذا.. إن أعضاء «الأممية المواقفية»، التي ضمَّت حنين ومصطفى خياطي، وآخرين، هم الذين أشعلوا ثورة الطلبة، التي بَعَثت الروح ليس في فرنسا وحدها، بل وفي البلاد التي امتدت إليها الثورة، لكن الحزب الشيوعي الفرنسي، كعادته، خذلها، متحالفاً مع ديغول.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *