الرئيسية » الأولى » فلسطين.. انتفاضة ثالثة.. أم ماذا؟

فلسطين.. انتفاضة ثالثة.. أم ماذا؟

فلسطينكتب ماجد الشيخ:
ها هي الانتفاضة الثالثة في فلسطين تتحقق شعبياً، وذلك على الضد من إرادات البعض لدى الجانبين، الإسرائيلي والفلسطيني، وعلى الضد من انتفاضات سابقة، كانت توجه عبر «الريموت كونترول» الفصائلي أو الفئوي الضيق.

وإذا كانت الانتفاضة الأولى قد جلبت اتفاق أوسلو إلى «الكرم الوطني»، وما عنته تلك العملية للكثيرين من ثمن بخس مقابل تضحياتها، فإن الانتفاضة الثانية، وإن كانت أكثر كلفة، نتيجة اختلاط ما هو شعبي بما هو مسلح من فعالياتها، فقد انتهت إلى إحباطات دفعت بالمزاج الشعبي للانزواء، في محاولة للملمة جراح وندوب عميقة، تركها التكتيك الفصائلي، وحتى الوطني عموما، فريسة تآكل ذاتي، من جرّاء عدم استثمار فعالياتها سياسيا، بما يعود بالربح الصافي لصالح الوضع الوطني، وبما كان مؤملا منها من طموحات كبرى، تحطمت وسط طريق لم يعد واضحا، أهو طريق الانتفاض الشعبي وتطوير فعالياته مرحلة وراء أخرى، أم القفز على تلك المراحل، والانتقال إلى طريق آخر.

بالطبع تختلف فعاليات الانتفاض العام، عن فعاليات كفاح شعبي سلمي غير متواصل، محدود الأهداف والبرامج الآنية، كتلك التي تجري أو يجري التعاطي معها كفعاليات مؤقتة، تستهدف ممارسة ضغط على كيان الاحتلال، للعودة إلى طاولة المفاوضات، أو إطلاق بعض الأسرى، أو استئناف دفع أموال الضرائب للسلطة.

أما فعاليات انتفاضة شعبية، فإنما تستند حتمية حدوثها إلى عديد من عوامل أفعال وفعاليات احتلالية واستيطانية، أضحت تتراكم وتُراكم معها مسببات ردود أفعال شعبية قوية، من جانب وضع وطني فلسطيني عام، أضحى هو الآخر يراكم تداعيات غضبه، وهو يرى إلى القدس تهوّد، ويجري أسرلة سكانها على حساب مواطنيها الفلسطينيين، كما وهو يرى إلى الخليل وبيت لحم، حيث «يقامر» نتنياهو وائتلافه الحكومي اليميني المتطرف بالاستيلاء على مواقع دينية أثرية، في محاولة لسرقتها وأسرلتها، وأسرلة المزيد من المواقع الآثارية الخاصة بأرض فلسطين التاريخية.

ويؤمل أن تعيد الانتفاضة الثالثة للوضع الوطني الفلسطيني المفكك والمنهك، بعض عافية كفاحية افتقدها منذ ما بعد الانتفاضتين، وها هي فرصة جديدة ينبغي ألا يجري تفويتها، حتى يمكن للانتفاضة الراهنة أن تنتج معادلة وضع جديد، قوامه إعادة بناء الوضع الوطني الفلسطيني على أسس أكثر تماسكا وانسجاما مع الأهداف الوطنية العليا. وهذا دونه إنهاء انقسام الحركة الوطنية، وإعادة إنتاجها لذاتها ولبرامجها الكفاحية على أسس ديمقراطية تشاركية، يجري وفقها استبعاد منطق المحاصصات وكوتا الأوزان والادعاءات والاستعراضات الفصائلية والفئوية الضيقة، واعتماد قانون النسبية في كل المحطات الانتخابية البلدية والتشريعية، كمخرج مشرّف من عبث الصراع غير المشرّف على السلطة المرسومة على ورق أوسلو، حيث تحوّلت وقائع الاحتلال والاستيطان والجدار ومخططات الأسرلة والتهويد، إلى وقائع مادية مجسدة على الأرض.

ولأن الوضع الوطني الفلسطيني ليس بكامل لياقته وعافيته الكفاحية، بقدر ما انهكته عوامل الصراع على السلطة، في إطار النظام السياسي، وفي إطار السلطة ذاتها التي أنتجتها اتفاقيات أوسلو، لابد من وجود الروافع الحافزة لاستعادة تلك العافية المُفتقدة. وليس أقل من انتفاضة شعبية واسعة، تقوم بدور تلك الروافع، وتعيد خلق الحوافز والروابط الضرورية، إلى ما تفكّك طوال سنوات الضياع الأوسلوي، بما فيها سنوات التفاعل أو التقاتل السلطوي، وصراعاتها التي أفقدت الوضع الوطني بوصلته الموجهة، ووضوح أهدافه الآنية والنهائية.

هذه الانتفاضة، بفاعلياتها الكفاحية الراهنة، تستدعيها أسباب موضوعية أكبر، وأهم من مسببات ودوافع الانتفاضتين الأولى والثانية، ربما ترقى بمسبباتها ودوافعها الذاتية، لتكون القيمة المضافة العليا، الكفيلة بدفع الوضع الوطني الفلسطيني إلى إعادة تصحيح اختلالاته، على الرغم من الإرادات الخارجية الإقليمية والدولية، التي لعبت أدوارا لا يُستهان بها للحفاظ على تلك الاختلالات.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *