الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : يوم عرفنا فيه إنسانيتنا

ناصر العطار : يوم عرفنا فيه إنسانيتنا

ناصر العطار
ناصر العطار

الإثنين 2014/6/30 كان يوما رائعا وجميلا، بكل المقاييس، حيث جاء بدلالات تحمل حقائق، وإن كانت نسبية حول طبيعة الناس في الأمة وديمقراطيتهم الشعبية وتفاعلهم التلقائي مع بعضهم البعض.. ففي هذا اليوم لعب منتخب الجزائر ضد منتخب ألمانيا، وخسر المباراة، بعدما كان فيها الأقوى والأجمل والأقرب للفوز، لكن الخبرة تفوَّقت وطول النفس الألماني تمكن من حسم النتيجة، بعد أن فرض الجزائريون على الألمان الوصول للأشواط الإضافية، من خلال عرض اتسم بالتركيز والروح العالية.. وبينما كان الأداء الجزائري رائعا، وفق ما امتلك من خبرة وقدرة، فإن موقف أغلب الجماهير العربية من المباراة كان أكثر روعة، فمن كان يعتقد بأنه الوحيد أو من بين القلة القليلة التي شجعت الجزائر من منطلق قومي، فقد وجد نفسه يذوب بين العشرات أو الآلاف أو الملايين ممن شجعوا المنتخب الجزائري، من دون توجيه من أحد أو تعصب ضد أحد، فقد وجدت الجماهير نفسها في المباراة حيث يلعب ممثلها الجامع، ونسيت التقسيم الذي يكاد يعانيه كل بلد عربي، من بين هذه الجماهير أفراد لم يكونوا يشجعون المنتخب الجزائري، لكن لم توجه نحوهم سهام التخوين، هذه الأقلية التي وقفت على الضفة الثانية أظنها شعرت بأجواء ديمقراطية، وتمسكت بحقها في الاختلاف وعرفت حق الأغلبية في المقابل، حق قائم على الهوية ومعتز بها وطامح لرفعتها، متجاوزا مهالك الطائفية ومستنقعات المذهبية ومسرحيات أخرجها البيت الأبيض ونفذها عدد لا يحصى من كارهي الإنسانية، مسرحيات هدفت إلى تخويف الناس من بعضها، عام واحد بين 2014/6/30 و2013/6/30 ووفق معايير الثورات، فإن سنة واحدة قد لا تسعف الثوار والساعين للتغيير لتحقيق الشيء الكثير، وخصوصا إذا كان تغييرا يمس العقلية والثقافة، سنة واحدة بين رفض المصريين التلقائي لإرهاب الإخوان المسلمين، وبين التفاف العرب التلقائي حول منتخب الجزائر، فعلام تدل هذه التلقائية؟ وماذا تحتاج؟ تدل على أن الذات التي تختبئ وراء طائفتها وقبيلتها ومذهبها وعائلتها تستطيع أن تتقدم وتتطور وتصبح ذاتا عربية واعية ورافضة لتقسيم وطنها الذي يعني تقسيمها وسلب حرية وطنها الذي يعني سلب حريتها هي، تدل هذه التلقائية أيضا على وعي يتراكم عند الناس لا يفيده الاستعجال ولا ينفعه الإحباط، فقد مضى على الناس وقت طويل وهي ترزح تحت وطأة الفتنة التي تكتف العقل، كما قال د.أحمد الخطيب في وصف دقيق لحالة العقل المسلوب.. أما ما تحتاجه، فهو أن تواصل هذه التلقائية ممارسة الوعي على كل مستوى وفي كل مجال.

إن الهدف المطلوب تحقيقه، هو بناء إنسان عربي حُر ومبدع وذي هوية، وحتى يتحقق هذا الهدف، فإن علينا تحقيق أربعة إصلاحات؛ الأول إصلاح ديني يكسر احتكار الجنة والنجاة باسم مذهب واحد، والثاني إصلاح اجتماعي يشيع المحبة بين كل الناس، والثالث اقتصادي، يوازن بين مستويات الناس المعيشية ولا يحتكر الفرص، أما الرابع فسياسي، يضع السلطات بيد الشعب، من دون تزوير أو تحريف.

إن بناء الإنسان لا يستلزم كما كانت الحال في الخمسينات والستينات ظهور ثورة يقودها فرد، فنحن أمام أجيال من الشباب والشابات صحوا على أوطان أحلامها مسروقة قبل أموالها، أوطان أغلبها بلا حرية وبلا هوية وبلا مستقبل، فهل ستتقبل تلك الأجيال إستمرار هذه الأحوال؟ لا أظن، والدليل أنها نادت بصوت واحد: «الجزائر»، ما يعني أن ثورة 23 يوليو 1952 ربما تكون هي ثورة 30 يونيو 2013 وهي رائعة 30 يونيو 2014، لكن هذه المرة بشابات وشباب ديمقراطيين وسلميين.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *