الرئيسية » عبدالله التميمي » عبد الله التميمي : الرمز المعصوم

عبد الله التميمي : الرمز المعصوم

عبد الله التميمي
عبد الله التميمي

يبدأ الشاب نضاله ضد الطغيان مبكراً، يكره تقديس القيادات، يحب أن يتحرر من أغلال وقيود التبعية العمياء للقيادة، ولم يحصل له هذا بين يوم وليلة، بل هو نتاج تعليم وثقافة، وقراءة ولمحة في تاريخ النضال السياسي للأمة، فكان كلما سمع عن الشخصيات التاريخية تعجبه تلك الشخصيات الثائرة المملوءة بالعز والكرامة، والتي لم تنتح لغيرها ولم تقبل الرضوخ للإملاءات، ويكره المتزلفين في التاريخ والمقتاتين على موائد الملوك، ويحدّث نفسه بأمجاد الأول، ولا يرى نفسه من الراضخين.

ويختار هذا الشاب حزباً أو مجموعة قريبة من أفكاره، أعجبته مبادئهم، وأعجبه طبعاً تطبيقهم لتلك المبادئ، أَسَرَته شخصيات الحزب، ورأى فيهم ما كان يفتقده في مجتمع راضخ، أعجبه الأمين العام والمتحدث الرسمي، وزاد إعجابه بهم كثرة ما تعرضوا له من ظلم من السلطة، وكان هذا الظلم الذي تعرضوا له، والسجن الذي دخلوه، والتعذيب الذي تلقوه، بمثابة شهادة لهم بحُسن السيرة ونظافة اليد، فلو كانوا من المتزلفين وسرّاق المال العام، لما حصل لهم هذا، ولكانوا في بيوتهم معززين مكرّمين يأتيهم رزقهم رغداً في كل حين.

ولكن فجأة يتحوَّل هذا الشاب المناضل إلى طاغية، بمجاوزته للحد المطلوب في الحب والإعجاب، فيؤدي به هذا الحب والانتماء الحزبي إلى طمس الحق ورفع الرموز فوق منزلتها، ويناقض مبادئ حزبه وشعارات الحق والعدالة والمساواة التي لطالما نادى بها وضحَّى لأجلها.

يستعد للتخاصم مع إخوانه ومجتمعه فقط لأنهم تعرضوا للأمين العام للحزب بالنقد..!

يدافع عن رموز الحزب والحزب بشكل يجعلك تصدق أنه يضفي على رموز الحزب قدسية ليست لأحد من العالمين، ويدافع عن تطبيقات الحزب لمبادئه بطريقة تجعلك تصدق أن الحزب يسير على منهاج لم يتخلله الخطأ يوماً، ولم يغفل القائمون على الحزب ساعة من يوم، ولم يخطئوا في شيء أبداً.

فلك أن تتخيل لو استطاع هذا الرمز أن يكون حاكماً، فكيف سيبرر أتباعه أخطاءه بحق شعبه لو أخطأ بحقهم؟ ستراهم كيف يناقضون مبادئهم التي من أجلها أسسوا الحزب.

وللأسف، كثيراً ما يحصل هذا للأتباع من دون الرموز، فتجد الرمز يعترف بأنه إنسان قد قصّر في شؤون كثيرة، ولكن الأتباع يدافعون عن كل صغيرة وكبيرة، ولا يرون في رمزهم شخصاً معرضاً للخطأ، حتى أخطاءه التي لا مبرر لها، يبررونها بقولهم «تخطيط مستقبلي لا تعلمون عنه»، وكأنه إله يعلم الغيب، فيجب التسليم لقوله من دون نقاش وأخذ ورد!

نعم، قد يكون الرمز والحزب مناضلون ضد الطغيان، يضحون بأنفسهم في سبيل الحريات والحقوق وتحقيق العدالة، شابت رؤوسهم في طريق النضال، ولكن ارتفاعهم إلى مرحلة القدسية يعني نقيض هذا النضال، فالنضال قام للقضاء على تقديس الأشخاص وفتح النقد والتصحيح على مصراعيه، فإذا بالإصلاحيين والناقدين يتعنصرون لأنفسهم وأحزابهم ويشابهون الطغاة بتصرفاتهم، ويفجرون بالخصومة مع منتقديهم.

يظهر أن الإصلاحيين يحتاجون لمصلحين أحياناً، فالأحزاب كيانات تحتاج إلى النقد بين الحين والآخر، نقد يكسر الهالة القدسية للحزب ورموزه، ونقد يصحح ما قد يظهر عليهم من أخطاء هي لابد حاصلة، ولو كان هذا الرمز كائناً من كان، فصدقني.. لابد أنه يوماً قد تناقض في أفكاره وتطبيقاته، ولابد أن أتباعه قد تابعوه على خطئه وبرروا له هذه الأخطاء.. ولم يسمعوا نصح الناصحين، وفَجَروا في الخصومة مع المنتقدين.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *