الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : وهم «دولة الخلافة»

محمد جاد : وهم «دولة الخلافة»

محمد جاد
محمد جاد

من «مميزات» العقل الأصولي، أنه عقل قاصر عن قراءة أبجديات الحضارة، وأنه يتوهم ويعيش ويقتات على وهمه، ويريد تصديره للآخرين، على أنه الحقيقة الوحيدة المُطلقة في الكون. وما كانت الثورات في أوروبا أن تنجح إلا في القضاء أولاً على الشكل الأصولي وتبعاته، والمتمثلة في الدين والكنيسة، وما لنا سوى القضاء على مثل هذه العقول، حتى نحاول اللحاق بذيل الحضارة، التي أصبحنا عالة عليها منذ قرون.

ونظراً للقصور العقلي والاجتماعي الذي خلّفته عصور الظلام العربي، والتمسك بما يُسمى «الحضارة العربية»، مع ملاحظة أن رواد التنوير العربي لم يكونوا من العرب أساساً، بل من الدول التي غزاها العرب وقت قوتهم العسكرية، سواء من مصر أو العراق، وإيران وبلاد المغرب وإسبانيا، بخلاف ذلك لن نجد بقعة تنتمي لأرض العرب أنتجت سوى جيوش تحمل السيف، وتغزو البلدان، بحجة إدخالها حظيرة الإيمان الصحيح ــ من وجهة نظرهم بالطبع ــ وأي حديث آخر عن حضارة آتية من بلاد العرب، لهو أشد خرافة من فكرة «الخلافة»، التي يروّج لها الآن مهاويس المُتأسلمين في أماكن عدة.
المشكلة الآن أننا نرى ما كنا نقرأه أو نسمع عنه من كتب التاريخ وحكاياته ماثل أمام أعيننا ــ كحركة داعش وما سواها ــ ماثل من دون تجميل أو تزييف من قِبل من قاموا بتدوين التاريخ، فهكذا كانت الغزوات العربية تتقدمها راية مختومة بلفظ الجلالة، وفقهاء يبررون سفك الدماء، بحجة الوعي والعلو والرفعة في المقام، الفكرة أقرب إلينا من فكرة العرق الآري، التي ابتدعها هتلر، ليبرر لنفسه وجنوده مهمة غزو العالم.

إلا أن أصحاب دولة الخلافة لن يشعروا لحظة بأنهم خارج مدار الزمن، حتى المُتعاطفون مع الفكرة، وهم كُثر، رغم اعتراضهم على الطريقة، يجدونها ويستمدونها من الحكايات المزيفة عن الرحمة المُهداة من جزيرة العرب، والتي بالضرورة يجب أن تسود العالم، من حيث القيم والتعاليم، فها هي القيم وها هو ما كان يحدث منذ قرون، وما اتساع الدولة الإسلامية أو غيرها إلا بهذه الطريقة من دون غيرها، مهما حاول البعض تجميل الصورة، وعند الضغط عليه بالحقائق يرى أنها استثناءات يجب عدم القياس عليها.

فلكم أن تختاروا وتحكّموا عقولكم.. هل تمتلكون الشجاعة لمراجعة تواريخكم، وتصبحون جديرون بإنسانيتكم، أم ستظلون آفة تاريخية تنتقص من حضارة الإنسان ووعيه؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *