الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ: عودة إلى عصور الظلمات

ماجد الشيخ: عودة إلى عصور الظلمات

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

في عصور الظلمات القديمة، أحكمت أيديولوجيات التدمير خناقها على رقاب الناس وثقافاتها، حين سادت أنظمة حكم شمولية استبدادية كانت تماري سلطتها مع سلطة الإله، فلم تكن تُسأل أو تُساءل عما فعلت أو ما ستفعل. لم تكن الدساتير أو القوانين معروفة حينها، ولم يكن الوعي الإنساني ملما بأي شأن من شؤون الحكم والسياسة، وطبيعة الثقافة ومرجعياتها المتعددة والمتنوعة، كان الحاكم أو السلطة بمثابة الإله الذي يمنح ويمنع، يحيي ويميت، وإليه أو إليها يعود تقرير مصائر الناس. فلا ديمقراطية ولا قضاء ولا عدالة ولا حقوق ولا حرية ولا مواطنة، وبالتالي لا دولة، وإنما أسياد وعبيد، طغاة مستبدون وأناس يؤمرون فيطيعون، لا اعتراض على أي أمر، إنها سردية البدايات، سرديات الطفولة المقهورة، المغلوبة على أمرها، المكرهة على فعل ما لا تريد أو ترغب. هو استبداد «القنانة الإلهية» التي من صنع الإنسان، الناطق نيابة عن الساكت والمسكوت عنه في المسيرة البشرية، التي يجري تكييفها وأقلمتها مع عناصر الموات والظلام والفوات التاريخي، المعادي لكل تطور وتقدم.

في العصر الوسيط لم يختلف الوضع كثيرا عما ساد قبلا، فانحكمت البشرية لدول استبدادية عنوانها الرئيس خضوع السلطة لهيمنة كهنوت التدين، وسلوك ممارسات عنفية، كان من أبرزها المقاصل التي نزلت على رقاب الناس، الذين تمردوا على إخضاعات أيديولوجيات القسر والإكراه، وفكروا بحرية وأرادوا انتزاع حريتهم من براثن السلطة السياسية والكهنوتية، فكانت محاكم التفتيش في انتظارهم. وهنا كانت أيديولوجيات التدمير ما زالت تُعمل معاولها هدما في صروح البناء الإنساني والطبائع البشرية التي شوهها التدين المغالي في تطرفه، وفي إحلال نفسه ناطقا باسم الإله.

وفي عصرنا الحالي، وعلى الرغم من كل مظاهر العولمة والتطور والتقدم التكنولوجي والنانو وتقنيات الفضاء الرقمية والنت، فما زلنا وكأننا عند سرديات الطفولة الأولى، المغلوبة على أمرها، والتي تكاد تموت كمدا وقهرا، بفعل «تطور» شرائع ووضعيات «القنانة الإلهية» التي ينطق بها ظلاميون وجهلة وعبّاد سلطة، يكادون يموتون قهرا، إن لم يتحقق لهم الفوز بسلطة قهرية وإكراهية، ولو أتت عبر دبابة أو القتل سحلا أو بقطع الرؤوس واستعمال الفؤوس، وكل هذا باسم الرب وصوت الله أكبر، ولا فرق هنا بين «دواعش» هذه البلاد والبلدان الأخرى، أو أولئك الذين يعملون عامدين إلى قتل شعوبهم «بصمت» ادعاءات ومزاعم «الاعتدال» و«أخوة الإسلام»، والإسلام منهم براء.

لاحظوا دور الإسلام السياسي في ربوع هذه أو تلك من بلاد الله الواسعة، أي دور نكوصي تقوده تلك التيارات العدمية، وأي دور مضاد لثورات الربيع العربي، تحولت بفضلهم إلى ثورات مضادة، مهمتها الرئيسة تفويت قطار التقدم والتطور والمعاصرة والتنوير، وبفضلهم يجري استبدال استبداد الأنظمة السياسية، باستبداد أكثر مراوغة وأكثر تطرفا، وإجادة متقنة للقتل والاقصاء، باسم التدين المغالي في تطرفه.

ما الذي تغيَّر بين أمس البشرية وحاضرها اليوم؟ في وقت تستمر أيديولوجيات التدمير تفعل أفاعيلها، وتغرقنا بظلامات وجهالات أكبر وأعتى من سابقاتها، في حين تستمر تجارة التدين في فعل أعاجيبها، ويتواصل ظلم الإنسان للإنسان، ويهيمن استبداد الدولة التي استعادت عبر نخبها وفئويتها، قبائليتها على حياة ومستقبل شعوب ما كادت تتحرر من قيودها القديمة، حتى استعادت تلك القيود الحديثة بريقها اللامع، وكأنه الذهب الساطع، ولكن شتان ما بين تلك العصور العتيقة وتلك الحديثة التي نعايشها، ونكاد نموت من فرط «تطور» و«حداثة» تشريعاتها وتأويلات شرائعها القاتلة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *