الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : حِرفة بيع الوهم

محمد جاد : حِرفة بيع الوهم

محمد جاد
محمد جاد

من أفضل ما برعت فيه السلطة، وخاصة في دول العالم الثالث، هو حرفيتها في بيع الأوهام لشعوبها، وتقوية هذا الوهم وعدم الاعتراف بأنه نوع من الدجل والشعوذة، بداية من وهم القيادة السياسية والعسكرية القادرة على تحقيق المعجزات، رغم تآكل الأجيال، جيلاً بعد جيل، في انتظار تحقق ولو شبه معجزة من المعجزات الموعودة، التي لا تعد ولا تحصى.

الأمر بالطبع له الريادة في مجتمعاتنا العربية، فمنذ عام تدور المعركة بين العلماء والخبراء العسكريين حول اختراع الجهاز العبقري، الذي سيُعالج أمراض الأرض كافة، ما وجد منها وما سيوجد.

تحارَب الفريقان وتجادلا على صفحات الجرائد والقنوات الفضائية، وبينها تتوزع أحلام البسطاء، ما بين الشك في تحقق أحلامهم، واليقين في معجزة، وتبادل الجميع الاتهامات ما بين الدجل والابتعاد عن العلم والتفكير العلمي، وما بين خيانة الوطن وتهم عدم الانتماء والعمالة، حتى فوجئ الجميع بتأجيل ميعاد الإعلان الرسمي عن الاختراع المُنتظر لمدة 6 أشهر مقبلة، من دون ذكر السبب.

بالطبع، هلل المعارضون للحدث، مؤكدين صحة رأيهم حول هذا النوع من الأوهام التي تدّعي العلم، إلا أن أصحاب الاختراع لم يأبهوا للأمر، وكأنه يخص غيرهم، ووصفوا ما حدث بأنه مراعاة للدقة، التي هي دِقة العلماء والبحث العلمي!

وما بين أولئك وهؤلاء يدور حلم البسطاء والمرضى في فلك الأمل عن جهاز وطني داخل بلادهم قد يشفي أمراضهم المزمنة، وخاصة أنه يتبع مؤسسة يثقون بها – بإرادتهم أو بغيرها – ثقة شِبه مُطلقة، وهو الأمر الذي أصبح يمثل حساسية لهذه المؤسسة أكثر من كونه أملاً على وشك الضياع.

المشكلة ليست في الوهم نفسه، لكنها في التربة الخصبة التي ينمو فيها، الجهل وتوابعه والفقر وظلاله، والمرض الذي هو نتيجة كل ذلك، وهو ما يستتبع صناعة وهم آخر جديد ينقذ مروجيه، ويمنحهم أملاً آخر في مواصلة حيواتهم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *