الرئيسية » عربي ودولي » الأزمة العراقية.. بين محاربة الإرهاب وضرب الثورة السورية

الأزمة العراقية.. بين محاربة الإرهاب وضرب الثورة السورية

قامت دولة الخلافة الإسلامية.. حلم «داعش»
قامت دولة الخلافة الإسلامية.. حلم «داعش»

ترجمة ظافر قطمة:
تناولت صحيفة كريستشن ساينس مونيتور الأميركية أزمة العراق الحالية، وتداعياتها المحتملة على منطقة الشرق الأوسط، وقالت في تعليق بقلم دان ميرفي إن في وسع المرء الاستماع إلى الطرف الذي بدأ الحرب في ذلك البلد، أو إلى الأشخاص الذين كرَّسوا حياتهم لدراسة الحرب وأوضاع المنطقة.

وقال التعليق إن الكثير كتب عن أزمة العراق، ومعظمه مرعب وشنيع، ونحن نحاول هنا إبراز آراء البعض من الناس، وطرح الجوانب التي تساعد على قراءة ما وراء العناوين الرئيسة في هذا الصدد.

ولنبدأ مع مارك لينش بروفيسور العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، الذي كتب في واشنطن بوست مونكي كيج يقول إن «مساعدة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في معركته ضد ثورة السنة العرب سوف تكون بشكل فعلي قتالاً إلى جانب الرئيس السوري بشار الأسد». ويضيف: إن التدخل العسكري من جانب الولايات المتحدة لدعم الحكومة العراقية سوف يضع واشنطن أيضاً في الجانب المعاكس للعديد من الشبكات العربية التي تدعم الثورة السورية.

ولا يرجع ذلك إلى أن تلك الأطراف تدعم تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) الذي خاض حرباً مفتوحة ضد معظم المجموعات المعارضة السورية الاخرى، ولكن لأن الأطراف المذكورة لا تعتبر «داعش» القضية الرئيسة، كما أن العديد من أشد أنصار ثوار سوريا يدعمون ما يرونه ثورة شعبية عراقية ضد مستبد طائفي يتمتع بدعم إيراني، وهم يساوون بين الثورة العراقية والثورة السورية، ويعتبرونها ثورة سُنية ضد طاغية شيعي، كما أنهم يعارضون أي تدخل أميركي أو عربي ضدها، وكأحد الأمثلة على ذلك، فقد حث الداعية الإسلامي الكويتي حجاج العجمي، الذي كان أحد أبرز جامعي التبرعات إلى مجموعات المعارضة السورية، مراراً، على مناهضة دعم «الخطوات من جانب الولايات المتحدة وإيران لمواجهة الثورة العراقية».

ومن ثم يخلص إلى القول إن «على الولايات المتحدة ألا تتوقع الكثير من الدعم الشعبي أو الرسمي العربي إذا تصرَّفت تحت ذريعة الدفاع عن نوري المالكي ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام».

تقدُّم الميليشيات السُنية

ويطرح كينيث بولاك الذي يدرس السياسات الشرق أوسطية والشؤون العسكرية في مركز بروكنغ لسياسة الشرق الأوسط ، عرضاً رائعاً حول الوضع العسكري العراقي، فيقول: ليس مجرد مصادفة أن الميليشيات السنية حققت تقدماً سريعاً في المناطق السنية بصورة رئيسة. ويرجع ذلك إلى أنه من غير المفاجئ أن تنهار قوات الأمن العراقية هناك، وكما لاحظت بغداد بصورة صحيحة، فإن عدة فرق عسكرية من الجيش العراقي في شمالي البلاد كانت مكونة بشكل غير متناسب من الأكراد والسُنة العرب، وقد شعرت شريحة واسعة منهم بالإحباط والإقصاء من جانب رئيس الوزراء نوري المالكي، عبر تكريسه للسلطة وتهميش مجتمعاتهم، وما كان لتلك القوات أن تقاتل حتى الموت دفاعاً المالكي، وفي وجه ميليشيات من الطائفة السنية التي تحاول الإطاحة به.. وبالمثل، رأى العدد الكبير من القوات الشيعية في شمال العراق وبطريقة مفهومة أن لا مبرر للقتال والموت دفاعاً عن مدن ذات أكثرية سُنية، مثل الموصل وتكريت وبيجي وغيرها.

الحرب الأهلية في العراق

من الأهمية بمكان أن نفهم قلة من النقاط الرئيسة المتعلقة بالجانب السُني من الميليشيات في الحرب الأهلية العراقية الجديدة، وتتكون تلك الميليشيات من «ائتلاف»، وهي ليست مجموعة واحدة، ويذكر أولاً أن الدولة الإسلامية في العراق والشام هي بشكل أساسي «رائدة» ائتلاف سني أكبر من الميليشيات، وكانت تقاتل بالتعاون مع عدد من مجموعات ميليشيات سنية عراقية اخرى.
ويمكن القول بشكل فعلي إن التشكيلة الكاملة للميليشيات السنية من الحرب الأهلية العراقية بين 2006 – 2008 استعادت نشاطها، من خلال إقصاء نوري المالكي للمجتمعات العربية منذ سنة 2011، وقد استأنفت مجموعات مثل القاعدة والنقشبندية وحزب البعث وجيش محمد وأنصار السنة وغيرها عملياتها في العراق، وفي تعاون ضمني على الأقل مع عدد من القبائل السنية في ذلك البلد.

جبهات رئيسة

وتشكل هذه المجموعات جبهات رئيسة في ائتلاف الميليشيا السنية، وقد خاضت عدداً كبيراً من المعارك، وفي أغلب الأحيان لا يمكن التمييز بينها بالنسبة إلى الجهات الخارجية وحتى من قِبل العراقيين الذين لا ينتمون إلى الميليشيا السنية.

من جهة أخرى، يكتب المؤرخ جوان كول من جامعة ميتشغان عن تاريخ النخبة السنية في العراق إبان الفترة الممتدة من العهد العثماني وتنصيب الملك فيصل ملكاً على البلاد، من قِبل البريطانيين، بعد الحرب العالمية الأولى، وحتى صعود حزب البعث في سنة 1968.

أطاحت الولايات المتحدة صدام حسين، الذي ينتمي إلى حزب البعث، في سنة 2003 عبر تحالف مع مجموعات شيعية بصورة رئيسة، وقد سعت تلك المجموعات إلى الانتقام من حزب البعث الذي يتكوَّن من شريحة سنية غير متناسبة، وحملت فكرة برنامج مناهضة التوجه البعثي الذي تضمن تسريح عشرات الآلاف من العرب السنة من وظائفهم الحكومية البيروقراطية وحتى التدريسية، وعمد ذلك البرنامج إلى تعيين مواطنين من الشيعة بدلاً عنهم.

وكانت جماعة المحافظين الجدد تكره الصناعات المملوكة للدولة، وأقدمت على إغلاقها، باعتبارها غير فعالة، من دون وضع بديل لها على الإطلاق.

موقف إدارة بوش

ساندت إدارة الرئيس بوش نزعة التفوق الشيعية ومحاربة البعث بصورة تامة، وعمد أنصارها إلى تشبيهها بمعادة النازية في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن في واقع الحال احتفظ النازيون من الفئة دون المستوى العالي بوظائفهم.

وفي العراق الجديد، تم قلب الوضع الرفيع للسنة رأساً على عقب، وكان السنة أعلى المتخرجين في الكليات العسكرية التي تماثل كلية وست بوينت، وقد هيمنوا بصورة غير متناسبة على سلك الضباط في الجيش، كما كانوا في مواقع القمة في حزب البعث، وحصلوا على العقود الحكومية المجزية، كمتعهدين، ثم أصبحوا الآن عاطلين عن العمل أو في وظائف دنيا، فيما كانت الخيرات من نصيب أعضاء الأحزاب الدينية الشيعية، وقد اجتاحت البطالة المدن السنية في 2003 – 2004.

ومن سنة 2011 عندما انطلق «الربيع العربي السني» في العراق الذي تمثل في تظاهرات شبابية حضرية ومطالبة بإنهاء التمييز، عمدت حكومة المالكي إلى قمع تلك التظاهرت بقسوة تامة، ولو أن حكومة بغداد استوعبت أولئك الشباب المعتدلين وتجاوبت مع مطالبهم، لربما كانت تفادت فقدان المناطق السنية لصالح المتطرفين الدينيين.

حملة مدينة سامراء

ويتحدث الكولونيل المتقاعد بات لانغ، وهو مسؤول رفيع سابق يركز على قضايا الشرق الأوسط في وكالة استخبارات وزارة الدفاع والمراقب المتبصر للشؤون العراقية، والذي لعب دوراً مؤثراً في قرار الغزو الأميركي للعراق، عن الوضع العسكري هناك، وعن حملة حكومية موعودة تنطلق نحو الشمال من مدينة سامراء الشيعية.

أحد الأخطاء الرئيسة في المؤسسة العسكرية الأميركية بشأن الحالة الراهنة في العراق، هو النظر إليها على شكل مشكلة، تتمثل فقط في محاربة العصيان والإرهاب، وقد تلقفت وسائل الإعلام تلك الصورة ويحث أشخاص من أمثال تشك تود الآن على اعتماد طرق مكافحة الإرهاب، على غرار ما يحدث في اليمن، الوضع في العراق أكثر من ذلك إلى حد كبير، ولكن القوات المسلحة الأميركية تبدو غارقة في تجربة مكافحة التمرد والإرهاب، بحيث لا ترى سوى القليل غير ذلك.

وهذه الحملة المتوقعة من منطقة بعقوبة – سامراء، سوف تكون الفرصة الرئيسة بالنسبة للجيش العراقي، كي يتمكن من عكس الحال، واستعادة المناطق التي فقدها في شمال البلاد باتجاه مدينة الموصل، ولكن بمجرد انطلاق تلك الحملة سوف تكتنفها عقبات متأصلة في أي جيش، والتي تتمثل في جوانب، مثل بُعد المسافة والمقاومة والطقس ومشاكل الصيانة والنفقات والإمداد، كما أن قضية الوقود والذخائر والطعام سوف تسهم في تراجع القدرات مع تقدُّم القوات العسكرية، والسؤال الذي يطرح الآن، هو ما إذا كانت هذه الحملة سوف تحقق هدفها، قبل أن يتفوق الجانب السلبي للعملية على العوامل الايجابية.

خفض العنف في بغداد

ويخلص المعلق إلى القول: في رأيي ثمة علاقة ضئيلة بين السببين الرئيسيين وراء خفض وتيرة العنف في العاصمة العراقية خلال النصف الثاني من سنة 2007 وبين العدد المتزايد من القوات الأميركية التي تمارس التكتيكات الجديدة لما يدعى بمكافحة التمرد، وكان الشرطان الضروريان هما قرار كبار الأميركيين، دفع مبالغ مالية كبيرة إلى أعدائنا السابقين – الثوار السنة من خارج تنظيم القاعدة، من أجل التحالف معنا لدحر القاعدة والتوقف عن قتل قوات التحالف، ويضاف إلى ذلك قرار رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر بالتوقف عن مهاجمة القوات الأميركية والتحالف والمدنيين السنة، وهو القرار الذي كان أحد الأسباب الرئيسة وراء تلك الحصيلة، وأنا لا أتخيل، من دون ذلك، كيف كانت القوات الأميركية سوف تتمكن من خفض العنف في بغداد.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *