الرئيسية » الأولى » أحمد الخطيب : هذا ما جنيناه من وراء سياسة «فرِّق تسد»!

أحمد الخطيب : هذا ما جنيناه من وراء سياسة «فرِّق تسد»!

أحمد الخطيبالمشهد السياسي في الكويت أصبح يحيّر الجميع، بسبب ما نشهده من فلتان غير مفهوم، فهناك صراع بين أفراد الأسرة، وحرب كلامية دونية محيّرة لم تكن تعرفها الكويت في تاريخها الطويل، وصراع طائفي أدخلنا في حرب مدمِّرة يقودها غلاة من طرفين يعيشان في عالم ما قبل التاريخ، وكأن لا حل له إلاّ هلاك أحدهما، وصراع قبليّ بمفهوم جاهلي، يذكرنا بحرب داحس والغبراء، أو بحرب البسوس، ويزداد عمقاً وحدّة يوماً بعد يوم.

وفي هذا المشهد المأزوم، تنبري حثالة من المهرجين الوقحين المأجورين لقرع الطبول وإطلاق أهازيج التأزيم بلغة تعكس دناءتهم المعروفة للجميع، في حين تقف غالبية الشعب مشدوهة أمام هذا المهرجان الغريب العجيب.

هل من الممكن حل مثل هذه الطلاسم وفك رموزها؟ دعونا نحاول، ولكن بحذر شديد، حتى «لا نزيد الطين بلة».. كما يقول المثل الشعبي.

تنافس أفراد الأسرة

التنافس بين أفراد الأسرة لاحتلال مراكز متقدمة مفهوم، وموجود لدى كل الأسر الحاكمة، لكنه لا يصل إلى حد الفجور في الخصام، لأنه يسيء للحُكم بشكل عام، ولا يمكن لأي نظام أن يسمح به إطلاقا.
ولا شك أن هذا الأمر معروف ومفهوم جيداً لدى النظام، فهو عريق في تقاليد الحكم، ويعلم مدى خطورته.

يقول البعض إن ما نشاهده اليوم عبارة عن شكل من أشكال مباراة للفوز بالكأس تنتهي بخروج المغلوب، وليست كبطولة الدوري لكسب نقاط أكثر، والحَكَم يراقب اللعبة بدقة، ولديه الصلاحيات الكاملة لاستعمال البطاقة الحمراء في أي لحظة كي يضبط مسارها.

المنصف والمحايد لا ينحاز إلى أي فريق، ولكن الحَكَم الذي يريد النجاح لفريق معين يتصرف بشكل آخر يضمن له النجاح، أو يعمل على تخريب الدورة كلها لمصلحة فريق آخر غير مشارك في الدورة. لا ندري.. لكن ربما!

الصراع القبلي والطائفي

من ناحية أخرى، علينا أن نسأل: هل للصراع القبلي وحدّته من علاج؟

بالطبع، العلاج موجود ومجرَّب في الجوار ومناطق أخرى، كاليمن وأفغانستان في ما مضى من زمان.

فقد جُرِّب بنجاح على يد الملك عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، وإمام اليمن وشاه أفغانستان، والتفاصيل معروفة، ولا أريد أن أحشر نفسي فيها، حتى لا يطولني منها الأذى.

الصراع الطائفي ــ أو الفتنة المذهبية ــ ليس نتاجاً محلياً، فالكويتيون لم يعرفوا صراعا كهذا طوال تاريخهم كله.

ثمة صراع طائفي مدمّر في المنطقة كلها بين السُنة والشيعة، فرضته الأحداث الإقليمية والعربية والدولية علينا، وليس بإمكاننا أن نساهم في حله بصورة مباشرة، بسبب علاقته أيضا بالنزاع على الزعامة الإسلامية بين السعودية وإيران منذ ثورة الخميني، لكن بإمكاننا أن نعالج تأثيره علينا، لأن العقلاء من الطرفين يدركون خطورته على الجميع، لا، بل على وجودهم ووجود وطنهم الكويت. ولهذا عليهم لجم جماح دعاة الفتنة والتفرقة، فعدم التفريط في هذا البلد مهمة كل مواطن محب لموطنه الكويت.

الخطورة الأعظم

لا نستطيع، في المقابل، أن نبرئ مؤسسة الحُكم من المسؤولية عن المساهمة في إشعال هذه الفتنة انطلاقا من سياسة «فرّق تسد»، عندما أقدمت على ترتيب أول انتخابات طائفية سنية في الدعية، وسلّمت مناهج التعليم كلها ودور العبادة لأحزاب دينية أخذت تزرع الكره والحقد بين أفراد المجتمع، خدمةً لأجندتها الخاصة التي لا تعرف حب الوطن ولا الولاء له.

إلا أن الخطر الأعظم يتمثل في تنفيذ المخطط الأميركي في المنطقة الذي أصبح يعتمد على التحالف مع الإخوان المسلمين في الهيمنة على المنطقة، كما هو واضح في مصر، عندما رحبت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بقرار جماعة الإخوان ترشيح أحد قادتها رئيساً للجمهورية وأيّدته، لتعميم التجربة التركية التي تعتبرها أميركا سياستها المفضلة في المنطقة منذ مدة طويلة.

رؤية النظام

وهنا ربما يُطرح تساؤل آخر: هل لدى النظام مشكلة في مواجهة التيار الديني في الكويت؟ أنا لا أعتقد ذلك.. إذاً، لماذا السكوت عن هذا التطاول على السلطة والتدخل السافر، وكأن هذا التيار قد تسلم السلطة التنفيذية وإدارة البلاد؟ هل هو الخوف منه ومما حققه في الانتخابات الماضية، أم أن هناك تحالفا وتفاهما مع رموزه، وخصوصاً أن التحالف بين الإخوان والنظام شهد سوابق كثيرة، وكانت باتجاه الانقضاض على الدستور، لأن له مصلحة في التخلص منه؟

إن الأحزاب المتأسلمة لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالدستور، لأن ذلك يخالف توجهاتها السياسية، وهناك أطراف مهمة في النظام لم تكن يوما من الأيام متحمسة للدستور.

لكن البعض يقول إن هذا الموقف قد تغير، نظرا لوجود بوادر تدل على أن النظام أصبح مقتنعاً بالديمقراطية، ولعل أبرز مظاهر هذه القناعة هو الاحتفال بمرور نصف قرن على وضع الدستور وتكريم أعضاء المجلس التأسيسي جميعاً من دون استثناء، وعلى اعتبار أن النظام أصبح متمسكا بالدستور وينتظر اللحظة التي يتغير فيها مزاج الشارع الكويتي عندما تبدأ هذه المجموعات الدينية بفرض برامجها المنفّرة للناس، لأنها تتدخل في جميع أمورهم، وتحاول حرمانهم من أبسط الحريات الشخصية.. عندها يقوم الشعب نفسه بإقصائهم من المجلس.

لا لليأس!

هل نحن أمام طريق مسدود؟ لا أعتقد ذلك، فالأسرة لا تزال تمسك بزمام الأمور، وبيدها إخراجنا من هذا المأزق الذي نحن فيه. فالقوة المالية الأمنية، والأغلبية الكويتية المحبة للكويت ولبقائها وأمنها وعزتها ورخائها يمكن أن تشكل درعاً لحماية الكويت، وطريقاً للخروج من هذه الحرب المدمرة بأضرار أقل.

والأهم من هذا كله، هو أن نرفض اليأس كشعب، وندرك أننا جميعاً – على الرغم من كل خلافاتنا ومذاهبنا ومراكزنا الاجتماعية ومعتقداتنا وقناعاتنا المختلفة- مسؤولون عن هذا الوطن، ومطالبون بنسيان كل خلاف بيننا، وبالتعاون والعمل الجاد لإنقاذ الوطن، واجتياز هذه المرحلة الخطرة من تاريخنا، على أن تبدأ بعد ذلك مرحلة جيدة تتوافق فيها الرؤى الوطنية الاصلاحية الحقيقية تذوب من خلالها كل هذه الخلافات.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *