الرئيسية » الأولى » أحمد الخطيب : محاولة لفهم طبيعة الربيع العربي

أحمد الخطيب : محاولة لفهم طبيعة الربيع العربي

أحمد الخطيبمما لاشك فيه أن التحرُّك الشبابي الكويتي كان عفوياً بريئاً ومغرياً، الجميع يحاول استغلاله، فأصبح هدفاً لأطراف عدة، كل يحاول استغلاله لأجندته الخاصة، ما أوقع مجموعات منه فريسة لأهواء متعددة أفقدته الشيء الكثير من الاستقلالية، فوقع في بعض المطبات التي وفرت مادة مهمة لأعداء التطور لمهاجمة الشباب، وما أكثر الذين يريدون بقاء الوضع على حاله، ليستمروا في التمتع بثروات الوطن والامتيازات التي حصلوا عليها.

يريدون بث اليأس في نفوس الشباب ويشلونه عن العمل.

وهنا جاء دور بعض مثقفي الفساد، ليتباروا في تحليل هذه الحركات، ويصفوها بأبشع الصفات، وأنها سبب ما نعانيه الآن من فوضى وتردٍ للأوضاع، ليجعلونا نترحم على الأنظمة الفاسدة التي انهارت، والتي كانت توفر لهم امتيازات لم يحلموا بها من قبل.

ومنطقهم هذا يلاقي القبول عند كثيرين، لأنهم يجهلون معنى الربيع العربي وأهدافه.

ويعتقد البعض بأنها حركة انقلابة تقفز إلى السلطة في ليلة ظلماء، وتعلن بيانها الأول الذي يغيِّر الأوضاع، كأي انقلاب عسكري، وهذا جهل مطبق، أو تجاهل خبيث لمبدأ الربيع العربي.

فالربيع العربي هو ثورة تخلق إنسانا جديدا، هي ثورة الكرامة التي هي حق لكل مخلوق على وجه الأرض، هي رفض للتبعية بكل أشكالها، أكانت من حكام جائرين، أو أحزاب مهيمنة، أو أفكار جامدة تقيد الفرد وتحد من حقه في حرية اختياره ورفضه أن يكون قطيعاً من الغنم يمشي وراء سيده. فهو يرفض السيادة والانصياع للأوامر التي تعتدي على كرامته. ولنذكر بأنها كانت ثورة الطبقة المتوسطة، وليست ثورة فقراء جياع، إذاً هي قوة أقلية الشعب.

كان الغرب، بشكل خاص، يعتبرنا كعرب أو كمسلمين خارج التاريخ غير قابلين للتطور والحداثة، بل كالحيوانات، ويجب أن نعامل هكذا تماما، كما كان العنصريون في جنوب أميركا يعتقدون لتبرير معاملتهم غير الإنسانية لأهالي البلد الأصليين، وأتت نظرية Bernar Lewis، وHuntington بأن الحضارة هي من اهتمامات الديانتين اليهودية والمسيحية، أصحاب نظرية صراع الحضارات، فالغرب والمسلمون لم يعرفوا الديمقراطية والحريات في كل تاريخهم، ويجب أن يعاملوا على هذا الأساس، وأشترك معهم الكثير من المسيحيين المتطرِّفين الداعمين للكيان الصهيوني.

ولمن لا يقرأ التاريخ، نقول إن ما يُسمى الآن بالحركة الإنجيلية المتطرِّفة منشأها كان في أسكتلندا، ومن أبطالها كرومل، الذي أعدم ملك بريطانيا وتسلم الحكم، وهذه الحركة كانت وراء إعطاء فلسطين لليهود. فبلفور وشافنزي ومعهما أيضا تشرشل كانوا من العقيدة نفسها.

الربيع العربي جاء بالرد الحاسم على هذه النظرية المدمرة، ليعريها ويعري أصحابها الذين اختفت أصواتهم وانتهت إلى مزبلة التاريخ، فالربيع العربي هو الشباب العربي المنتفض ضد الذل والجهل والاستكانة، ومع الحرية والكرامة للإنسان. وإيمان الشباب بذلك يجعله يخاطر بأعز ما عنده – حياته – في سبيل كرامته، ويُصر كذلك على أسلوب العمل السلمي الحضاري، من أجل تحقيق أهدافه.
لقد أصبح الربيع العربي محركا لشعوب العالم كله. حتى نساء الصين جعلهم هذا الربيع يتحركن لمطالبة الحزب الشيوعي بمحاكمة الذين أمروا ونفذوا عملية قتل أولادهن في تنامان سكوير عام 1989، أي بعد صمت مذل دام أكثر من عقدين من الزمن، رافضات التعويضات المالية التي قدمها لهن الحزب.

في الأسبوع الماضي أحالت حكومة موغابي في زيمباوي شاباً للمحكمة، لأنه كان يستمع لإذاعة تتحدث عن الربيع العربي.. والأمثلة كثيرة لا مجال لذكرها.

بالطبع، كانت هناك حركات شبابية عالمية قبلنا، لكنها كانت محدودة المطالب، أهمها حركة الشباب في أميركا التي أوقفت حرب فيتنام، وحركة شباب بريطانيا ضد التقاليد البريطانية البالية في الستينات، وجاء حزب العمال ليشرع في إنهاء هذه العقلية البالية، وها نحن نشاهد الآن دق المسمار الأخير في نعش مجلس اللوردات في صورته القديمة، وكيف أجبر الشباب ملكة بريطانيا لرد الاعتبار للأميرة ديانا عند وفاتها، وكسر كل قواعد النظام الملكي، حتى في طبيعة المدعوين لقداس وفاتها.

أما في فرنسا، فقد كانت ثورة ضد التعليم الجامد والرعاية الصحية. وها هي فرنسا تصبح في مقدمة دول العالم في الرعاية الصحية والتعليم.

فالربيع العربي ليس انقلاباً على نظام، إنما انقلاب على العقل، وثمرته لن تأتي في يوم وليلة، لأن تغيير النظام سهل، لكن تغيير الثقافة شيء آخر، وأعداء هذا التغيير كثيرون ومهمون ولديهم جذور عميقة في تاريخ البشرية منذ وجدت على هذه الأرض عقلية النزاع والاقتتال والدمار والحروب، كل هؤلاء يقفون بالمرصاد لوأد هذه الانتفاضة المباركة التي نجحت في إذكاء روح الكرامة للإنسان، وهي بحاجة إلى وقت طويل لدحر أعدائها وتحقيق كل أهدافها. نعم، الحراك الشبابي في الكويت أمامه الكثير من الدورس ليتعلهما من تجربته القصيرة.

إنني مؤمن بأن شبابنا قادرعلى تجاوز ما يواجهه من صعاب ليقود عملية الإصلاح، لأنه وحده مسؤول عن هذه المهمة، باعتباره يشكِّل أغلبية هذا الشعب، وهذا ما نصت عليه المادة السادسة من الدستور.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *