الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : في غيبة العقل الراشد

ماجد الشيخ : في غيبة العقل الراشد

ماجد الشيخ
ماجد الشيخ

تمثل الطائفية أو التمذهب الطوائفي والأيديولوجي، إحدى ظواهر العصبوية والتعصب الأعمى الفاقد لأهلية استعمال العقل والعقلانية، كمرجعية حاكمة، الأمر الذي لم ينتج سوى عملية تخليف وفوات تاريخي لحركة الشعوب والمجتمعات والدول، ما أدَّى، ويؤدي، بالعملية التاريخية إلى النكوص، وإلى أن تبقى تراوح مكانها واقفة، كسد منيع أمام إمكانية أي نهوض يُرتجى للخروج من حالة الانحطاط والسقوط المريع في شباك التبعية والارتباط بالقوى الاستعمارية الخارجية، التي تعمل بدورها كفاعل رئيس، من أجل قطع الطريق على إمكانية النهوض والاستنهاض الوطني والثقافي والاقتصادي والتقدم السياسي والاجتماعي.

لهذا تردت مسألة المواطنة وما يردفها من مسائل الحقوق، تردياتها الأصعب في كامل مجالات ممارسة السلطة لدور الدولة، والمجتمع لدور «الأب القائد» والتدين الشخصي والجماعي لدور «العشيرة الربانية» المنزلة آراؤها ورؤاها الخاصة، وما فرضته وتفرضه من إحلالات وحلول إقصائية لكل ما عداها من آراء ورؤى عقلانية وغير عقلانية، حتى بات «الداعشيون» أكثر من الهمّ على القلب، من قبل أن توجد «داعش» الحالية، ويجري النفخ في بالوناتها، وكأنها «المخلص السماوي» لإشكالات المؤمنين بأيديولوجية الخلافة، في وقت ينسى ويتناسى المعاندون في رؤاهم الظلامية، أن موازين القوى، وإن مالت اليوم لداعشيي الهجرات القسرية والطوعية في العراق والشام، فهذا ليس من «بركات السماء»، وليس من بركات طوع بنان من قادوا ويقودون جموع «المجاهدين» نحو النصر المؤزر، ناسين أو متناسين أن لا نصر مع الحروب الأهلية الطويلة، ولا انتصار مع أوهام إقامة دول مستحيلة في مجتمعات لم تبلغ ولن تبلغ مع داعشيي اليوم أي سن للرشد، فأي حكم رشيد يمكن أن يأتي على أسنة رماح سلطات غير رشيدة؟

في غيبة العقل الراشد، لا رشد ولا فلاح ولا صلاح ولا إصلاح، ذلك حكم قيمي وتاريخي، لا يمكن أن تغيره الوقائع الموهومة والمعطيات المزعومة لأيديولوجيات التدين التعصبي، المأخوذ بقراءات «إلهية» وبحسابات وقراءات سحرية، أدمنت وتدمن ما لا يمت للعقل بأي صلة، سوى صلة الادعاءات والمزاعم والأوهام.

وطالما ان العقل الطائفي الراتع في عصبويته وميلانه الدائم نحو ما يراه صحيحا على الضد من الطبيعة البشرية والطبيعية للمنطق البشري، فإن إقصائيته ستبقى محور السلوك والممارسة اللاعقلانية لكل أولئك الذين اعتقدوا ويعتقدون زورا بأنهم على حق، وكل الآخرين على باطل.

لذا، لا يمكن للغرائزية مضاهاة العقل مطلقا، فلا مطلق مع الغرائز، كما لا مطلق مع العقل، ما يعني أن معاداة النسبية معادل موضوعي لمعاداة العقل، ومعاداة العقل معادل ذاتي لمعاداة كل نتاجات العقل والحداثة والتقدم العلمي والبشري، كسمة وصنيعة من سمات وصنائع الإنسان العاقل الذي تقود نتاجات عقله الخلاقة، إلى المساهمة في بناء الهوية الحضارية الكاملة لعصرنا الموسوم بالتقدم والحداثة والتنوير، وهي الهوية المضادة والمعادية لكل الهويات الجزئية والفرعية بالضرورة.

من هنا، يمكننا الحكم على أن المشاريع الطائفية التي تحتكم لعقل مغرق في طوائفيته، لا يمكنها مقارعة المشاريع الكولونيالية الاستعمارية المتحققة منها، أو تلك التي بقيت مجرد مشاريع لم تتحقق، بفعل ظروف ومعطيات تاريخية موضوعية، بل إن تماثلا وتقاربا بحدود بين تلك المشاريع، وبنية العقل الطوائفي المتمذهب، سجلت وجودها الفاعل في بنية الحياة السياسية والطائفية، لبلاد نخرها سوس الاستبداد والتسلط والطغيان الأعمى والطائفية، قبل أن ينخرها سوس الأهداف الاستعمارية التي بقيت تعمل تحت ستار وأحجبة الأنظمة التابعة والنخب التي انحازت لغير مصالح شعوبها ومجتمعاتها الوطنية، وإن انحازت غرائزيا لهوية فرعية أو جزئية هي الطائفية المتمذهبة في أسطع تجلياتها ونتاجاتها: الحروب الأهلية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *