الرئيسية » محليات » التطاحن السياسي يشل القطاعات الحكومية ويعرقل التنمية

التطاحن السياسي يشل القطاعات الحكومية ويعرقل التنمية

كتب ياسر عبدالرحمن:
لا تزال نار الصراع السياسي في الشارع الكويتي مستعرة، ولا تزال جميع الأطراف منشغلة بالهجوم أو الدفاع عن نفسها، وكل طرف يحاول البحث عن تهم جديدة، لإلصاقها بالطرف الآخر.
ومع غياب المعارضة البرلمانية، وحضور المعارضة الشعبية، انتاب المشهد السياسي تغير كبير في طريقة المواجهة وأسلوب إدارة الصراع، الذي كان في السابق تدور أحداثه تحت قبة عبدالله السالم، فيما نزل الآن إلى الشارع.

المشهد السياسي الكويتي الذي غلب عليه التطاحن السياسي بين السلطتين من جانب، والسلطة والمعارضة الشعبية وانقسامها من جانب آخر، إلى جانب عدم وجود تناغم بين أعضاء الحكومة نفسها، بات المعرقل الأساسي لكل خطط التنمية في الكويت، كما يرى مراقبون.

الاستقرار والبناء

ومن الواضح، كما يرى مراقبون أيضاً، أن ظاهرة عدم الاستقرار السياسي، التي تمر بها البلاد، كانت لها آثار لا يمكن إخفاؤها على الاقتصاد الوطني، حيث إنها عرقلت المشاريع التنموية، وفرملت عجلة الاقتصاد والنمو، وهذا ما أشار إليه قطب حكومي، حيث أرجع أسباب توقف المشاريع التنموية في البلاد إلى حالة عدم الاستقرار السياسي، ما جعل الكثير من المواطنين يتساءلون عن المتسبب فيها.

ولا شك في أن التراجع عن بناء الدولة الكويتية الحديثة وفق الدستور، إضافة إلى زيادة نفوذ بعض مراكز بعض القوى، أحدث حالة من التخوف الشديد على مستقبل البلاد ومقدَّرات الأجيال القادمة، وخصوصاً بعد تحذير صندوق النقد الدولي من أن استنزاف الفوائض المالية للبلاد قد يؤثر سلبا في استمرار الأوضاع العامة على المدى الطويل، وقد أشار الصندوق أيضا إلى أن المشكلة المالية في البلاد، هي عدم الاستغلال الجيد للفوائض النقدية في الميزانية العامة، مؤكدا أن تأخر المشاريع وإلغاءها يؤثر حتما في تأخر الوصول للهدف المطلوب.

مؤشر الفساد

بعض المحللين أكدوا أن قضايا الفساد والهدر المالي التي تعانيها الكويت يجعل الصورة خلال السنوات المقبلة غير واضحة المعالم، مشيرين إلى أنه مع الحديث عن انتهاء دولة الرفاه والدعوة إلى سياسة شد الأحزمة والترشيد، في حين لا يزال الفساد والهدر مستمرين، فإن ذلك دفع إلى تدهور ترتيب الكويت عالميا في مؤشر مدركات الفساد، لتصبح من أسوأ دول مجلس التعاون الخليجي.

إعاقة صناعية

ليس هذا كل شيء، بل إن الممارسات السياسية الخاطئة أثرت سلبا في قطاعات مهمة، فالقطاع الصناعي أصيب بتدهور واضح، في ظل غياب الدعم الحكومي الكافي له، وهجرة رؤوس الأموال التي تقدَّر بنحو ثلاثة مليارات دينار خارج البلاد، مع بقاء الباب مفتوحا أمام تنامي هذه الظاهرة، في حين هربت استثمارات تقدَّر بأكثر من 31 مليار دولار في السنوات الأربع الماضية، وذلك وفق آخر الإحصاءات.

المشهد التربوي

ومع الانشغال في المساجلات السياسية، تاه قطاع التعليم أو تم نسيانه، ومن ينظر إلى المشهد التربوي في البلاد يجد أنه على الرغم من الجهود التربوية الكبيرة والتوظيفات المالية الضخمة التي قامت بها وزارة التربية، فإن النجاحات التي حققها نظام التعليم الكويتي لا تزال جزئية ومحدودة، ولا يزال الحديث يدور عن تدني جودة التعليم، مروراً بسوء مخرجاته وعدم تلبيته لمتطلبات سوق العمل، وانتهاء بالأزمات الجديدة القديمة، كأزمة القبول الجامعي وعدم كفاية المقاعد الجامعية لاستقبال الطلبة الحاصلين على الثانوية العامة.

بيروقراطية صحية

القطاع الصحي أيضاً ليس بعيداً عمَّا يدور على الساحة، فهو الآخر يعاني غياب خطة واقعية شاملة لتطويره تأخذ في اعتبارها الموارد المالية الهائلة المتاحة، كما لا يزال هناك نقص واضح في عدد المستشفيات الحكومية والكوادر الطبية، ولاسيما الأطباء المتخصصون في التخصصات المهمة والنادرة.

المنظومة الصحية في البلاد برمتها لا تساعد على تطورها، فالإدارة الحكومية للقطاع الصحي تعاني بيروقراطية شديدة، بسبب طول وتعقيد الدورة المستندية، وتعدد المناصب الإدارية والقيادية، نتيجة المواءمات السياسية والشخصية التي نجم عنها تركز عدد متزايد من الكوادر الطبية الوطنية في المناصب الإدارية، بعيداً عن العمل الفني التخصصي.
ومع الحديث عن خطة طويلة المدى، وخطوط عريضة لحل تلك القضية الشائكة، فإن الحلول لا تزال حبرا على ورق، في الوقت الذي تخطت فيه الطلبات الإسكانية حاجز 108 آلاف طلب إسكاني.. ووفقاً للإحصاءات المتعلقة بالقضية الإسكانية، فإن الأرقام جميعها تؤكد أن ما تدفعه الحكومة كبدل للإيجار، والمبالغ التي دفعها المواطنون كإيجار، تكفي لبناء 86 ألف وحدة سكنية.

فهذه القضية لا تزال تبحث لنفسها عن مخرج، ما بين مؤتمرات إسكانية برعاية السلطتين، وتصورات وطرح بدائل، ولا تزال الآمال معلقة على إنشاء هيئة للمدن الإسكانية، في محاولة أخيرة لحل تلك الأزمة.

تصحيح المسار

إذن، هي مشكلات كثيرة يعانيها المجتمع الكويتي، بسبب التطاحن السياسي والممارسات السياسية الخاطئة، في حين يؤكد محللون سياسيون أن الديمقراطية الكويتية لاتزال تعاني مراهقة سياسية، هي أبعد ما تكون عن النضج السياسي، وأقرب ما تكون إلى العبث، الذي لا علاقة له من قريب أو بعيد بالممارسة السياسية الصحيحة، والتي تراعي في المقام الأول مصلحة الوطن، وتقدمه على أي اعتبار آخر، وهو ما أثر في مجريات الحياة في البلاد، وجعل غالبية الشعب الكويتي غير راضٍ عما تشهده البلاد من تراجع على كافة الأصعدة، وتقدم في مؤشر مدركات الفساد عاماً بعد آخر، وزاد من وتيرة المطالبات بتصحيح مسار الدولة، وتحقيق مطالب الإصلاح الديمقراطي.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *