الرئيسية » عربي ودولي » الأزمة العراقية.. أسبابها وتداعياتها على دول المنطقة

الأزمة العراقية.. أسبابها وتداعياتها على دول المنطقة

مبنى مدمر في الرمادي
مبنى مدمر في الرمادي

كتب منصور الأتاسي:
تطور الوضع في العراق بشكل متسارع ولافت أخيراً، ما جعله يحتل المساحة الأكبر من الأخبار والتحليلات على مختلف وسائل الإعلام العربية والعالمية، وأتت هذه التطورات بعد نتائج «الانتخابات»، التي عمل فيها رئيس الوزراء نوري المالكي على الاستفراد بالسلطة، محاولاً احتكارها للمرة الثالثة.. وهذه ظاهرة قاتلة في أغلب الأنظمة العربية، حيث يحاول البعض الاستفراد بالسلطة والثورة، متجاهلاً أو محارباً الآخرين، ومستخدما أكثر وسائل الدعاية إثارة للنعرات والاقتتال المذهبي والقومي.. إلخ، أي أكثرها تخلفاً.

وقد يكون من المفيد عند دراسة أي ظاهرة البحث عن أسبابها الداخلية التي أدَّت إلى وجودها وانفجارها، ثم تداعياتها الإقليمية والدولية، أي دورها في الصراع الدولي القائم.

لقد ترك الاحتلال الأميركي العراق مدمراً، حيث لا بنى تحتية من كهرباء ومياه صالحة للشرب.. والاقتصاد منهار، والدولة بلا جيش وشرطة، ما أشاع الفوضى، التي ساعدت بدورها في تأمين بيئة مناسبة للفساد، الذي أدَّى بدوره إلى ظهور احتجاجات ورفض للسياسة التي يعتمدها المالكي، وخصوصا أن العراق يملك ثروات كبيرة تسمح له بالخروج من أزمته بسرعة كبيرة.

وبدلاً من أن يدعو المالكي جميع القوى الوطنية المؤثرة للتعاون في إخراج العراق من الوضع الكارثي، الذي تركه الاحتلال الأميركي، عمل على الاستفراد بالسلطة، وكلنا يذكر موقفه من نائب رئيس الجمهورية، وما تلاها من أحداث تراكمت، حتى وصلت إلى الانفجار الذي يعيشه العراق، وتعيش المنطقة تداعياته الآن.

تشكيلات سياسية

وبسبب ضعف الأحزاب الوطنية القادرة على جمع العراقيين، وشكل الديمقراطية التي فرضها الأميركيون قبل الرحيل، والتي تعتمد على المحاصصة المذهبية والقومية في تركيب السلطة بين العرب والأكراد من جهة، والسنة والشيعة من جهة أخرى، ما فرض ظهور نوع من التشكيلات السياسية تنسجم مع طبيعة النظام السياسي المفروض وأضعف الأحزاب الوطنية والطبقية، ظهر الصراع بشكله الحالي.

وقد حاول المالكي أن يزيد من حدة هذا الصراع، بهدف استمالة الشيعة أو أكثريتهم إلى جانبه.. فأخرج في رمضان الماضي، وبعملية مفضوحة، كافة السجناء من سجن أبوغريب، وغالبيتهم من المتطرفين الإسلاميين المعروفين، ليعتمد فكرة محاربة الإرهاب، ويحارب خصومه السياسيين بحجة الإرهاب، وهذا ما جرى بالمعنى الإعلامي.
ومن يتابع التصريحات والبيانات الصادرة عن القوى السياسية المعارضة للنظام، يجدها كلها مشاركة في الانتفاضة، أي أنها ليست من صنع «داعش» بمفردها، كما يصور الإعلام، بل هي انتفاضة شعبية واسعة، وهذا ما يفسّر سرعة إخراج ممثلي نظام المالكي من المدن الكبرى، مثل الموصل وتكريت ونينوى.. وغيرها، وسرعة وصول الانتفاضة وقوات «داعش» إلى أبواب بغداد. ولكن تقديم الطابع المذهبي للصراع مفيد لحكومة المالكي من جهة، ويعكس رغبة الدول الإقليمية والدولية في تحويل رغبة شعوب المنطقة في الانطلاق ونشر الحرية والعدالة الاجتماعية إلى صراعات قومية وطائفية ومذهبية، ونجاح هذا التوجه، بسبب تحالف الأنظمة المستهدفة والقوى الكبرى من جهة أخرى.

معركة شعبية

وبكلمة، فإن المعركة مع نظام المالكي، هي معركة شعبية لها أسبابها الموضوعية، وهي ناتجة عن فشل حكومة المالكي في إخراج العراق من الوضع الكارثي، الذي أوصله إليه الاحتلال الأميركي، وفي عدم قدرته على التعاون مع القوى السياسية الموجودة، بهدف مشاركتها في إخراج العراق من الأزمة الاجتماعية، التي أوجدها أيضاً الفساد الكبير ونهب ثروات العراق الهائلة، والتي ساهم في نهبها المالكي أيضاً.. ورغم مشاركة جميع القوى الوطنية المعارضة للنظام في الانتفاضة الشعبية، فإن طبيعة النظام القائم على المحاصصة المذهبية والقومية، كما ذكرنا، بالإضافة إلى الإعلام أعطت الانتفاضة طابعاً إسلامياً متطرفاً.

نتائج

وبسبب تدخل المالكي في الصراع الحاد الجاري في المنطقة، فقد انعكست الأزمة في هذا الصراع، وسنحاول أن نحدد انعكاساتها ونتائجها اللاحقة:

ـ دور إيران الواضح في العراق، التي استفادت من وجود المالكي لتقوي نفوذ ولاية الفقيه في منطقة عربية هو بأمسّ الحاجة إليها في صراعه الهادف إلى نشر مذهبه وإعادة إحياء الإمبراطورية الفارسية لترويج صناعاته في المنطقة التي يجب أن تخضع له.. وهذا ما نشاهده في كل تحركاته، سواء كان في دعم وجود بؤرة تابعة لولاية الفقيه في لبنان، التي أصبحت دولة داخل دولة، أم في هيمنته على السياسة السورية والتدخل المباشر وغير المباشر في دعم النظام السوري، بما في ذلك مشاركته في قتل السوريين.. إلخ.

ـ مشاركة المالكي ونظامه في دعم النظام السوري، عن طريق تسهيل إيصال الأسلحة من إيران إلى النظام، وعن طريق إرسال المقاتلين العراقيين من أتباع ولاية الفقيه، ليقاتلوا إلى جانب نظام الأسد، مثل كتائب أبوالفضل العباس وألوية عصائب أهل الحق القاتلة، والذين تقدّر أعدادهم بعشرات الألوف، حيث أدَّى هذا التدخل الوقح من جانب المالكي في الشأن الداخلي السوري إلى استياء أعداد واسعة من العراقيين، سنة وشيعة وأكراداً، وانعكس هذا الاحتجاج والاستياء في المشاركة بالانتفاضة والتغاضي عن التطرف.. ونقول التغاضي، لأن عدد أفراد «داعش» لا يتجاوز 5000 مقاتل.. ورفض العراقيين تدخل المالكي في الشأن السوري، هو الذي انعكس في دعم الإسلاميين السُنة، فالتطرف لا ينتج سوى التطرف، كما علّمنا التاريخ وعلمتنا تجارب الشعوب.
ـ محاولة القوى الدولية والإقليمية المتصارعة التدخل والاستفادة من هذا الحدث.. وهذا ما نشاهده في التحرك الأميركي وتصريحات الرئيس ووزير خارجيته وكبار ضباط الجيش الأميركي وتحريك حاملة طائرات إلى الخليج، لماذا كل هذا التحرك؟ وما الهدف منه؟

ويمكن تفسير هذا التحرك بعدة اتجاهات:

الأول، هو محاولة لقطع الطريق أمام التدخل الإيراني لدعم المالكي، ما يزيد دور إيران في العراق وفي سوريا وفي المنطقة، فإيران لن تترك هذه المناسبة من دون أن تستفيد منها في زيادة دورها في المنطقة المضطربة والمتصارعة.

الثاني، الاستفادة من شراهة نظام الملالي في الدخول إلى المنطقة وإعادة تأهيله، ليخلف الشاه ويعيد دور إيران كشرطي المنطقة، وقد يكون أحد أهداف الحوار الأميركي بشأن الصناعة النووية الإيرانية أيضاً تحقيق أهداف سياسية. وإذا نجحت الحكومة الأميركية في تحقيق هذا الهدف، فسينعكس نجاحا جديدا في صراعها مع روسيا الهادف إلى منعها من إعادة الدور السابق للاتحاد السوفييتي الذي يحلم به بوتين، وخصوصا بعد نجاحها في أوكرانيا، فقد أبعدت الاحتجاجات الشعبية في أوكرانيا النفوذ الروسي، ودفعت أوكرانيا إلى الحضن الأوروبي – الأميركي، واستطاعت أميركا إجبار روسيا على التراجع، بسبب الضغط الاقتصادي الذي مارسته عليها، ما أدَّى إلى اهتزاز جدي في الاقتصاد الروسي.

إذن، هناك أكثر من سيناريو تريد أن تنفذه الولايات المتحدة من وراء تدخلها في الأزمة العراقية، التي أسست لها هي كما ذكرنا في بداية المقال، وأن أوروبا لن تكون خارج التوجهات الأميركية.

وبالنسبة للسياسة الروسية، فهي ستزيد من دعمها لنظام المالكي، بهدف تثبيته، وإخراجه من الحالة التي دفعته إليها سياسته الخاطئة، وإذا نجحت، فإن زيادة الاحتقان بين الشيعة والسنة ستهيمن على اللوحة السياسية خلال الفترة المقبلة.
وبكل الأحوال، وبغض النظر عن كل الاحتمالات التي ذكرت، فإن الأسباب الحقيقية للانتفاضات وثورات الشعوب العربية، هي تطلع هذه الشعوب للحرية والعدالة الاجتماعية، وأن الأنظمة العربية لا تزال تمنع شعوبها من الوصول إلى أهدافها، كما أن الاضطرابات ستستمر، والانفجارات ستنتقل من بلد إلى آخر، حتى تسقط الأنظمة المجرمة، وتتحقق أهداف شعوب منطقتنا المضطهدة والمنهوبة والمفقرة.. وهذا يتطلب من الأحزاب الوطنية الديمقراطية أن تسرع في تطوير أدواتها وزيادة نفوذها في الأوساط الشعبية وقيادة تحركات الشعوب، لإيصالها إلى أهدافها، بعد أن أثبتت الأحداث أن القمع وتحويل شكل الصراعات لا تحل مشكلة، بل تزيدها.

ماذا ستكون نتائج هذا الشكل من الصِدام، في حال انتصار تيار المالكي وولاية الفقيه؟

ـ زيادة هجرة السكان من المناطق الساخنة، وقد تصل إلى مئات الآلاف، ونذكر أن أعداد النازحين من العراقيين منذ احتلال الأميركيين للعراق لا يزال يقدَّر بالملايين.
ـ زيادة الانقسام المذهبي، وتوقع زيادة في التهجير وإعادة ترتيب المناطق على أساس مذهبي.
ـ توقف عملية التنمية – المتوقفة – أصلاً، وتوظيف الاعتماد المتوافر لصالح التسلح.
ـ انتشار الصراعات المذهبية، ووصولها إلى دول أخرى، وخصوصا إلى السعودية.
ـ زيادة دور الخارج في المنطقة، وخصوصا إيران والولايات المتحدة وروسيا.
ـ زيادة الدور الإسرائيلي والبلطجة الإسرائيلية وزيادة تعنتها في حل مشاكل المنطقة، ما يزيد من التطرف المتعدد الأشكال.
ـ استقرار الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، وعلى رأسها النظام المجرم في دمشق.

ويمكن تحديد بعض النتائج السياسية في حال استطاعت الانتفاضة الحالية من إبعاد حكومة المالكي بالنقاط التالية:

ـ بداية وجود انفراج سياسي واقتصادي في العراق ينطلق من تشكيل حكومة وحدة وطنية تخفف من الاحتقان المذهبي وتؤسس وتفتح المجال لحل الأزمة الاقتصادية الاجتماعية في العراق.
ـ إبعاد حكومة المالكي يساعد في تشديد المقاومة لإبعاد الأسد في سوريا، وهذا بدوره سيفتح الآفاق أمام شعوب المنطقة للنضال، من أجل تحقيق الحرية وبناء نظام العدالة الاجتماعية، ما يؤسس في نهضة عربية جديدة تؤسسها الشعوب، وليس الانقلابات العسكرية التي تمَّت منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، وانتهت بالطريقة التي نعرفها.

ويبدو أن التدخل العسكري الأميركي لم يكن قادراً وعبر التاريخ في حل مشاكل الشعوب، بقدر ما كان يعقدها.. فالولايات المتحدة لم تتدخل في أي بلد إذا لم يكن هذا التدخل يخدم مصالحها أولا وأخيرا.. وبالتالي، فإن المشكلة في العراق سياسية، وحلها سياسي أولا وأخيرا، ينطلق ويبدأ من رحيل المالكي، والانتقال نحو مشاركة كافة القوى السياسية في الخروج من الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تجتاح العراق.

إن محاربة الإرهاب والمنظمات المتطرفة، إسلامية كانت أم غيرها، هي مهمة تنتصب أمام جميع الوطنيين والديمقراطيين، وتبدأ من تجفيف الأسباب والبيئة التي تنتج الإرهاب.. أما الاكتفاء بالقتل، كأسلوب وحيد لمحاربة الإرهاب، والإبقاء وتغذية البيئة المنتجة له، فقد أثبتت التجارب التي تمَّت في أفغانستان والعراق وليبيا ومصر أنها تزيد من التطرف، ولا تهزمه.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *