الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : من تحرش في مصر؟

ناصر العطار : من تحرش في مصر؟

ناصر العطار
ناصر العطار

قبل أكثر من عشرين سنة زرت منطقة ماربيا الإسبانية، ولا أتذكر أنني رأيت فيها مظاهر التحرش الجنسي، رغم ما تتمتع به المنطقة الساحرة من حرية لا يحدها حد، على عكس أوطان الأمة، التي تعاني أغلبها، وخصوصا مصر، في سنواتها الثلاث الماضية، من ظاهرة التحرش الجنسي، رغم ما تملي به قوانين أوطان الأمة من عقوبات كثيرة تهدف للردع، ومواعظ أكثر تحرم التحرش وتمنعه، فلماذا تطول معاناة أغلب هذه الأوطان من ظاهرة التحرش الجنسي، فيما منطقة الحرية المطلقة لا تسبب هذه الظاهرة لها هاجسا وفزعا؟

أظن أنها ثلاثة أسباب تجيب عن السؤال الحساس؛ الأول احترام الحرية الشخصية، الثاني قيام مجتمع المواطنة، والثالث اعتبار المرأة إنسانا، ولو أردت الحديث بالتحديد عن مصر، قاهرة التطرف، أقول إنها لم تكن لتعاني من هذه الظاهرة، لو لم تغير من بعد حرب أكتوبر 73 نهجها الذي قام على مجتمع مواطنين أحرار حالمين بمشروع جامع على مستوى الوطن والأمة.

إن هذا الانحراف عن النهج القويم – رغم تجاوزاته وانكساراته – هو المتحرش الحقيقي في مصر، وليس الشاب الغرائزي أو الفتاة المثيرة، فهو الذي تخلى عن المشروع الجامع، وبالتالي فصل مصلحة المواطن عن مصلحة المواطنة، وخاطب كل منهما بلغة خاصة جعلت من الرجل كائنا غريبا على المرأة، والعكس صحيح، وفرض الفتنة الطائفية على الشعب، بعدما كان موحدا وصلبا، فقد قال الراحل السادات في إحدى خطبه: أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة، ما وضع مواطني مصر من الأقباط في زاوية ضيقة أرهبتهم من مجتمعهم وعزلتهم عنه، ومع الاعتذار للمقاتلين في عهد مصر الجديد، أقول إن هذ الانحراف أو النهج المستجد من أربعين سنة لا يبدو أنه يمضي إلى زوال سريع بمجرد اختيار رئيس قيل في قوته الكثير. إن الثقافة الغريبة التي جاءت بها سياسات ما بعد حرب أكتوبر تجذرت وتمددت في نفوس الشعب الذي قاد ثورتين عظيمتين خلال سنتين، لكن اقتلاع الفساد شيء، وزراعة البذرة الصالحة شيء آخر.

إن ثقافة عدم احترام الحرية الشخصية، وعدم اعتبار جمال الإنسان تعبيراً وانعكاساً لجمال الوطن، وعدم اعتبار المرأة آلة للتفريغ والرجل حيوان أعمى، بحاجة إلى ثقافة مضادة تعيد الوعي والكرامة والحرية والجمال للإنسان، وهذا ما لن يتم بين ليلة وضحاها، وإن تم، فسيكون مكمن القوة الحقيقية.

في خطاب له أخيراً، وجَّه الرئيس الجديد موعظة للشباب، وقال لهم إن النساء يحملن شرفكم وعرضكم، وإن الرفق بهن واجب ديني، ثم ردد مرتين كلمة «يا مسلمين».

إن هذه اللغة، رغم ما تحمله من إيمان وتقوى، لا أعتقد بأنها ستقف حاجزا بين الجاني والضحية، لأنها لغة لا تلتفت للفراغ الوطني الذي عاشته مصر، ولا إلى حقيقة هموم شعبها ونداءاته الثورية، كما أنها تحمل الشاب ثُقل الشرف، فيما لا تقيم وزنا لإنسانية المرأة، وحريتها الشخصية، ثم إنها لغة تقسم الشعب، من حيث لا تعلم أو تبتغي، فحين يخاطب الرئيس الشعب – يا مسلمين – مع وجود نسبة من الأقباط ضمن هذا الشعب، فإن هذا يعني استمرارا، بقصد أم بغير قصد، للاختلال الوطني الذي عانت منه مصر في العهود الثلاثة الأخيرة.

إن الضحية في مصر وفي أوطان الأمة واحدة، هي الإنسان، أيا كان، وما لم تتجرأ هذه الضحية وتتمرد على ثقافة احتقار الحرية وتقسيم المجتمع، فإن الاعتبار لن يعود لها، ولا إلى أوطانها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *