الرئيسية » عربي ودولي » تطورات المشهد العراقي تفرض إعادة الحسابات الإقليمية والدولية

تطورات المشهد العراقي تفرض إعادة الحسابات الإقليمية والدولية

الوضع العراقي يلقي بتداعياته على دول الجوار
الوضع العراقي يلقي بتداعياته على دول الجوار

كتب محرر الشؤون الدولية:
منذ الخميس الماضي، والأحداث الميدانية تتسارع في العراق، في ظل تقهقر الجيش العراقي وتراجعه أمام تقدّم الحراك المسلّح ضد حكومة نوري المالكي، إذ تواصل مسلسل سقوط المدن في مناطق مختلفة من شمال البلاد وغربها باتجاه بغداد، فيما تمكنت آخر فرقة عسكرية بالجيش في محافظة صلاح الدين من الصمود أمام أسوار مدينة سامراء، وقد سيطر المسلحون على بلدات البغدادي وأجزاء واسعة من صحراء الـ«160» المحاذية للحدود الأردنية.

وقد جاء تقدّم المسلّحين، في ظل محاولة حكومة نوري المالكي الدفع بالقوات الكردية «البشمركة» للمواجهة مع المسلّحين، بدلاً من الجيش، إذ سيطرت هذه القوات بشكل تام على مدينة كركوك النفطية العراقية، بعد انسحاب الجيش من مواقعه، فيما اشتبكت مع مجموعة مسلحة على الحدود مع سوريا، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.

إحساس بالخطر

وليس من المؤكد أن تفضي المجريات العراقية، وما يمكن أن تؤدي إليه لحظة الالتقاء الأميركية – الإيرانية بشأن الخطر الداهم لتداعيات ما يجري في العراق اليوم، إلى تغييرات حاسمة، إذ لم يعرف بعد كيف ستترجم اللهجة الإيرانية التي تنمّ عن إحساس حقيقي بهذا الخطر، إلى أفعال.

وفي المقابل، كان الرئيس الأميركي باراك أوباما يتحدث عن عمل عسكري «فوري» يجب القيام به في العراق، من دون إرسال قوات ميدانية، وهو ما فسّر على أنه لجوء أميركي محتمل إلى الغارات الجوية أو الضربات الصاروخية، لمنع تقدم الحراك العسكري العشائري – نحو العاصمة العراقية، وإدراك أميركي – ولو كان متأخراً – بفداحة المشهد العراقي، وربما الإقليمي، إذ قال أوباما صراحة إن «الرهان هنا هو ضمان ألا يستقر الجهاديون بشكل دائم في العراق أو في سوريا أيضاً».

واستقر مشهد الأزمة العراقية في شقيها الأمني والعسكري على سيطرة الحراك العسكري للعشائر العربية، وبإسناد من «داعش»، على مناطق عدة تمتد من محافظة نينوى شمالاً وحتى تخوم بغداد جنوباً. لكن خلال الساعات الأخيرة، فتحت صفحة أخرى، تمثلت في بروز تداعيات هذا الانتشار السريع في مجال إعادة رسم خريطة توزع النفوذ السياسي على مختلف المناطق في البلاد، حيث كان أبرز دليل على ذلك، خروج مدينة كركوك عن سيطرة حكومة بغداد، ودخول قوات «البشمركة» التابعة لإقليم كردستان إليها، للمرة الأولى، ما يحقق الحلم التاريخي للأكراد بالسيطرة على هذه المدينة الحيوية والغنية بالنفط.
أما على الصعيدين الدولي والإقليمي، فقد كانت الأزمة تنتقل إلى مرحلة جديدة أيضاً، مع بداية ظهور وضوح في المواقف لأبرز الفاعلين، ومن بينهم واشنطن، التي أبدت استعداداتها لتكثيف المساعدات العسكرية إلى العراق.
وفي هذا الصدد، قال الرئيس الأميركي إنّ «ما شهدناه في الأيام الأخيرة يظهر إلى أي حد سيكون العراق بحاجة إلى المزيد من المساعدة من جانب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي»، مضيفاً في سياق حديثه، أن «فريقنا للأمن القومي يدرس جميع الخيارات، ونحن نعمل بلا كلل، لمعرفة كيف يمكننا تقديم المساعدة الأنجع».

وأوضح أن الدعم يشمل الدعم العسكري والمعدات والدعم الاستخباراتي، وقال: «لا أستبعد أي شيء، لأن الرهان هنا هو ضمان ألا يستقر الجهاديون بشكل دائم في العراق أو في سوريا أيضاً».

روسيا وإيران

كذلك، جددت موسكو، تنديدها بـ«مخططات الإرهابيين» الرامية إلى «التحصن» في العراق وسوريا ومناطق أخرى مجاورة، لافتة إلى أن الغرب يتحمل مسؤولية زعزعة الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وما نجم عنها من عواقب وخيمة.

وقال المتحدث باسم الخارجية الروسية، الكسندر لوكاشيفيتش، إنه «ما من شك في أن من غزا العراق قبل عشر سنوات، ويواصل فرض قراراته وإرادته على شعوب المنطقة، ساهم بشكل كبير في إطلاق عملية زعزعة الاستقرار، وهي النتيجة الواضحة اليوم عملياً في سائر الشرق الأوسط».

وكان الحراك الإيراني لافتاً كذلك، حيث أجری الرئيس حسن روحاني اتصالاً برئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، إذ أشار إلی أن «إيران، حكومة وشعبا، تقف إلی جانب الشعب والحكومة العراقية».
وقال روحاني إن حكومة بلاده «ستبذل قصارى جهدها علی المستويين الدولي والإقليمي، لمواجهة الإرهابيين، ولن تسمح لحماة الإرهابيين أن يمسوا الأمن والاستقرار فی العراق، من خلال تصديرهم الإرهاب إلی هذا البلد»، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الإيرانية.
من جهتها، نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن «مصادر أمنية إيرانية» قولها، إن طهران نشرت فرقتين تتبعان لـ«فيلق القدس» لمساعدة القوات الحكومية في معاركها لاستعادة السيطرة الكاملة على مدينة تكريت.

كيف يقرأ الإسرائيليون المعطيات العراقية؟

في محاولة لاستقراء المرحلة المقبلة، عراقياً وإقليمياً، وتداعيات ذلك على التحالفات القائمة، واستشراف آفاق تحالفات محتملة في المنطقة، وصولاً إلى تأثير ذلك وتداعياته على الترتيبات الأمنية في غور الأردن، لجهة إبقائها تحت السيطرة الإسرائيلية، تابعت الصحف الإسرائيلية باهتمام بالغ تطورات الأوضاع الميدانية في العراق.

وفي هذا السياق، برز تحليل نشره، صباح الجمعة الماضي، المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، الذي اعتبر أن «سقوط الموصل من شأنه أن يؤسس، في ظل تعاظم الخوف من نشوء نظام سني متشدد بين العراق وسوريا، لتحالف جديد مبني على تقاطع مصالح أميركية إيرانية – تركية، لوقف زحف تنظيمات القاعدة والتنظيمات الجهادية الأخرى، باتجاه تركيا شمالاً، والأردن جنوباً، وحتى تحولها في الجولان لاحقاً، من محاربة النظام السوري والرئيس بشار الأسد، إلى محاربة إسرائيل في الجبهة الشمالية»، وذلك في ما يبدو تحقيقاً لسيناريوهات الرعب الإسرائيلية، التي كان قد تحدث عنها قبل نصف عام تقريباً، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، الجنرال يائير كوخافي، في مؤتمر «المعهد القومي للأبحاث القومية».

ورأى هرئيل أن «التطورات المتسارعة في الموصل والعراق عموماً، ستدفع بكل اللاعبين الرئيسيين في العراق وسوريا، إلى إعادة حساباتهم الإقليمية والمحلية، فإيران التي لا تريد نظاماً سنياً متشدداً، وتركيا التي كانت تغازل التنظيمات الجهادية في حربها ضد الأسد، قد تجد نفسها مدفوعة، خوفاً من تداعيات محتملة لنشوء دولة كردية وقوات كردية، إلى إعادة النظر في موقفها وسياساتها، وخصوصاً في حال تبدّل الموقف العام بين إيران والولايات المتحدة، لجهة التأسيس لتنسيق أميركي – إيراني لضبط أوضاع العراق، من دون أن تضطر الولايات المتحدة إلى مجرد إعادة التفكير في العودة إلى العراق بقوات أميركية».
ولفت هرئيل في هذا السياق، إلى أن «الشأن العراقي يرتبط بطبيعة الحال بكون العراق أكبر الدول المصدرة للنفط، وهذا يجعل العالم أكثر اهتماماً بما يحدث فيها من اهتمامه بالمذابح المستمرة في سوريا، لكن التهديد لمصادر الطاقة، الذي قد ينسحب أيضاً على دول أخرى في المنطقة، قد يقود في تقاطع المصالح الأميركية – الإيرانية، إلى تغيير في الموقف الأميركي من الملف النووي الإيراني، في ظل طلب رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي مساعدة عسكرية من الولايات المتحدة لمواجهة داعش».

واتفق المحلل العسكري في موقع «يديعوت أحرونوت» على شبكة الإنترنت، رون بن يشاي، مع الخطوط العامة التي تحدث عنها هرئيل، لكنه أضاف أن «سقوط الموصل يؤسس بدوره لقوة جهادية عالمية تصل خيوطها حتى سيناء جنوباً، وهي تهدد أنظمة عربية بأكملها قريبة من العراق (في إشارة للأردن)، بل وحتى سوريا، ولبنان الذي تقوم حكومته الحالية على دعم من حزب الله».
وتبنى بن يشاي، على غرار هرئيل، منطق التحليل نفسه المذكور للاستخبارات العسكرية، إذ قال «إن استهداف دول وأنظمة سايكس بيكو من قِبل تنظيمات القاعدة والجهاد العالمي، هو مرحلي، لأن المرحلة المقبلة قد تكون في توجيه هذه التنظيمات والمنظمات، بصرها نحو إسرائيل لشن الحرب عليها لاحقاً».

وأشار في هذا السياق، إلى أن «القوات المصرية تنجح حالياً في كبح ومحاربة القاعدة، والتنظيمات السلفية الجهادية المنتشرة في سيناء»، لكنه جزم أن «هذا النجاح مرحلي وموقت ولا يمكن التكهن بما قد يحدث لاحقاً».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *