الرئيسية » قضايا وآراء » محمد جاد : «الأخ الأكبر»

محمد جاد : «الأخ الأكبر»

محمد جاد
محمد جاد

حينما يتم اختصار نظام الحُكم في شخص وحيد، فالشعب يكون قد تنازل – في البداية – عن إرادته، لهذا الحاكم أو ذاك. ربما أملاً في تحقيق مستقبل أفضل، وخاصة أن تاريخه المُظلم يلاحقه كظِله، فكرة أن تضع الشعوب حلمها في شخص، وتحوله إلى نصف إله، هي فكرة تتنفسها الشعوب العربية والمتخلفة بوجه عام، حتى يتحول هذا الشخص في النهاية إلى تحقيق حلمه الشخصي في الزعامة الوهمية، طالما فرقة الكومبارس لم تزل تقوم بواجبها على الوجه الأكمل. ونتيجة ذلك تتحقق حالة «الأخ الأكبر»، التي جسدها جورج أورويل في روايته «1984». وهي حالة الدولة البوليسية المطلقة، التي يعيشها أفرادها في ما يُشبه الآلات، فلا حياة ولا روح، ولا أي قيمة إنسانية في ظِل نظام بوليسي قمعي، لا يخدم سوى مُمثل الدولة الوحيد. كان أورويل ينسج روايته حول شخصية ستالين، وما فعله داخل الاتحاد السوفييتي، فترة الرعب التى لازمته حتى انتهى.

في البداية تنازل الشعب عن حق معارضة الحاكم، من دون تدخل أجهزة الدولة في عملية قمع المعارضة، النظام الذكي يجعل فريقا من الشعب هو الذي يُقاتل ويمنع الفريق المعارض، وحينما يقضي النظام على المُعارضة تماماً، يصبح القطيع في حالته المُثلى لتقبّل قيادة الحاكم الرشيدة ــ من وجهة نظر الحاكم بالطبع ــ فيتم المنع المُمَنهج وإحكام الرقابة أكثر وأكثر على أفعال وأقوال الأشخاص، كبالونات اختبار يُطلقها النظام في فضاء توقعاته المضمونه، بعدما فرّغ الناس من شعورهم بالمسؤولية عن أفعالهم وحريتهم. فالأمر يسير وفق هوى ووفق تعليمات النظام الحاكم. الخطوات معروفة ومُتكررة وكأنها خريطة يقينية التفاصيل، يسير وفق خطوطها كل حاكم لا يرى في نفسه سوى أنه الأوحد الذي يعلم ويعرف، وما على الباقي إلا السمع والطاعة، إنه «الأخ الأكبر» الذي لولاه لضاع الجميع في دروب ضلالاتهم، وبما أن التاريخ يمتلك ذاكرة الأسماك، فأحداثه تتكرر بلا ملل منه ومن مجموعات الكومبارس التي تصوغه في غفلتها المزمنة، التي تكاد تتفوق على غفلة أخرى سلاحها الثقة المطلقة.. غفلة «الأخ الأكبر».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *